تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 314

مساهمون:

ص٣١٤
قال تعالى :
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ
أي : جنس البحر
مِداداً
، وهو ما تمد به الدواة من الحبر ،
لِكَلِماتِ رَبِّي
وهي ما يقوله سبحانه لأهل الجنة ، من اللطف والإكرام ، مما لا تكيفه الأوهام ، ولا تحيط به الأفكار ، فلو كانت البحار مدادا والأشجار أقلاما لنفدت ، ولم يبق منها شئ ،
قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي
؛ لأن البحار متناهية ، وكلمات اللّه غير متناهية . ثم أكده بقوله :
وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
أي : لنفد البحر من غير نفاد كلماته تعالى ، هذا لو لم يجئ بمثله مددا ، بل ولو جئنا بمثله
مَدَداً
؛ عونا وزيادة ؛ لأن ما دخل عالم التكوين كله متناه .
قُلْ
لهم :
إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يتناهى كلامي ، وينقضى أجلى ، وإنما خصصت عنكم بالوحي والرسالة ؛
يُوحى إِلَيَّ
من تلك الكلمات :
أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
لا شريك له في الخلق ، ولا في سائر أحكام الألوهية ،
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ
: يتوقعه وينتظره ، أو يخافه ، فالرجاء : توقع وصول الخير في المستقبل ، فمن جعل الرجاء على بابه ، فالمعنى : يرجو حسن لقاء ربه وأن يلقاه لقاء رضى وقبول . ومن حمله على معنى الخوف ، فالمعنى : يخاف سوء لقائه . قال القشيري : حمله على ظاهره أولى ؛ لأن المؤمنين قاطبة يرجون لقاء اللّه ، فالعارفون باللّه يرجون لقاءه والنظر إليه ، والمؤمنون يرجون لقاءه وكرامته بالنعيم المقيم . ه بالمعنى . والتعبير بالمضارع في
( يَرْجُوا )
؛ للدلالة على أن اللائق بحال المؤمنين : الاستمرار والاستدامة على رجاء اللقاء ، أي : فمن استمر على رجاء لقاء كرامة اللّه ورضوانه
فَلْيَعْمَلْ
؛ لتحصيل تلك الطلبة العزيزة
عَمَلًا صالِحاً
، وهو الذي توفرت شروط صحته وقبوله ، ومدارها على الإتقان ؛ ظاهرا ، والإخلاص ؛ باطنا . وقال سهل : العمل الصالح : المقيد بالسنّة ، وقيل : هو اعتقاد جواز الرؤية وانتظار وقتها .
وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
إشراكا جليا ، كما فعل الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا ؛ حيث كفروا بآيات ربهم ولقائه ، أو إشراكا خفيا ، كما يفعله أهل الرياء ، ومن يطلب به عوضا أو ثناء حسنا . قال شهر بن حوشب : جاء رجل إلى عبادة بن الصامت ، فقال : أرأيت رجلا يصلى يبتغى وجه اللّه ، ويحب أن يحمد عليه ، ويتصدق يبتغى وجه اللّه ويحب أن يحمد عليه ، ويحج كذلك ؟ قال عبادة : ليس له شئ ، إن اللّه تعالى يقول : « أنا خير شريك ، فمن كان له شريك فهو له » . وروى أن جندب بن زهير قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنّى لأعمل العمل للّه تعالى ، فإذا اطّلع عليه سرّنى ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « لك أجران : أجر السّرّ ، وأجر العلانية » « 1 »
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في ( الزهد ، باب عمل السر ) ، وابن ماجة في ( الزهد ، باب الثناء الحسن ) ، عن أبي هريرة بدون ذكر جندب ابن زهير .