تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وقرئ : حامية ، أي : حارة ، روى أن معاوية رضي اللّه عنه قرأ حامية ، وعنده ابن عباس ، فقال ابن عباس : حمئة ، فقال معاوية لعبد اللّه بن عمرو بن العاص : كيف تقرأ ؟ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ، ثم وجه إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب ؟ قال : في ماء وطين ، كذا نجده في التوراة ، فوافق قول ابن عباس رضي اللّه عنه . وليس بينهما تناف ، ؛ لجواز كون العين جامعة بين الوصفين ، وأما رجوع معاوية إلى قول ابن عباس بما سمعه من كعب الأحبار ، مع أن قراءته أيضا متواترة ، فلكون قراءة ابن عباس قطعية في مدلولها ، وقراءته محتملة ، ولعله لمّا بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك ، إذ ليس في مطمح نظره غير الماء ، كما يلوح به قوله تعالى :
وَجَدَها تَغْرُبُ
، ولم يقل : كانت تغرب ؛ فإن الشمس في السماء لا تغرب في الأرض .
وَوَجَدَ عِنْدَها
أي : تلك العين
قَوْماً
؛ قيل : كان لباسهم جلود الوحش ، وطعامهم ما لفظه البحر ، وكانوا كفارا ، فخيّره اللّه تعالى بين أن يعذبهم بالقتل ، وأن يدعوهم إلى الإيمان ، فقال :
قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ
بالقتل من أول الأمر ،
وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
؛ أمرا ذا حسن ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع ، واستدل بهذا على نبوته ، ومن لم يقل بها قال : كان بواسطة نبي كان معه في ذلك العصر ، أو إلهاما ، بعد أن كان التخيير موافقا لشريعة ذلك النبي ،
قالَ
ذو القرنين ، لمن كان عنده : مختارا للشق الأخير ، وهو الدعاء إلى الإسلام :
أَمَّا مَنْ ظَلَمَ
في نفسه ، وأصرّ على الكفران ، ولم يقبل الإيمان
فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ
بالقتل . وعن قتادة : أنه كان يطبخ من كفر في القدور « 1 » ،
ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ
في الآخرة
نُعَذِّبُهُ
فيها
عَذاباً نُكْراً
؛ منكرا فظيعا ، لم يعهد مثله ، وهو عذاب النار . وفيه دلالة ظاهرة على أن الخطاب لم يكن بطريق الوحي إليه ، أي : حيث لم يقل : « ثم يرد إليك » ، وأن مقاولته كانت مع النبي ، أو مع من عنده من أهل مشورته .
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ
بموجب دعوته
وَعَمِلَ
عملا
صالِحاً
حسبما يقتضيه الإيمان
فَلَهُ
في الدارين
جَزاءً الْحُسْنى
« 2 » ، أي : المثوبة الحسنى ، أو الفعلة الحسنى جزاء ، على قراءة النصب ، على أنه مصدر مؤكد للجملة ، قدّم عليه المبتدأ ؛ اعتناء ، أو حال ، أو تمييز .
وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا
أي : مما نأمر به
يُسْراً
: سهلا ميسرا ، غير شاق عليه . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) لا يصح نسبة هذا - إطلاقا - لذي القرنين - رحمه اللّه . ( 2 ) قرأ حفص وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب : « جزاء » ؛ بفتح الهمزة ؛ منونة ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : بالرفع ؛ من غير تنوين ، على الابتداء ، والخبر : الظرف قبله ، والحسنى مضاف إليها . . . انظر : شرح الهداية ( 2 / 402 ) ، والإتحاف ( 2 / 224 ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 302 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان