تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الْبَحْرِ
. وإسناد العمل إلى الكل ، حينئذ ، بطريق التغليب ، ولأن عمل الوكيل بمنزلة الموكل .
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
: أجعلها ذات عيب ، « 1 »
وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ
أي : أمامهم ، وقرئ به ، أو خلفهم ، وكان رجوعهم عليه لا محالة ، وكان اسمه : « جلندى بن كركر » وقيل : « هدد بن بدد » ، قال ابن عطية : وهذا كله غير ثابت ، يعنى : تسمية الملك .
يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ
صالحة ، وقرئ به ،
غَصْباً
من أصحابها . وكان حق النظم أن يتأخر بيان إرادة التعيّب عن خوف الغصب ، فيقول : فكانت لمساكين ، وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة ، فأردت أن أعيبها ؛ لأن إرادة التعيب مسبّب عن خوف الغصب ، وإنما قدّم ؛ للاعتناء بشأنها ؛ إذ هي المحتاجة إلى التأويل ، ولأن في التأخير فصلا بين السفينة وضميرها ، مع توهم رجوعه إلى الأقرب . قال البيضاوي : ومبنى ذلك - أي : التعيب وخوف الغصب - على أنه متى تعارض ضرران يجب حمل أهونهما بدفع أعظمهما ، وهو أصل ممهد ، غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة . ه .
وَأَمَّا الْغُلامُ
الذي قتلته ،
فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ
وقد طبع هو كافرا ، وإنما لم يصرح بكفره ؛ لعدم الحاجة إليه ؛ لظهوره من قوله :
فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما
: فخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين
طُغْياناً
عليهما
وَكُفْراً
بنعمتهما ؛ لعقوقه وسوء صنيعه ، فيلحقهما شرا ، أو لشدة محبتهما له فيحملهما على طاعته ، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره ، فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر ، فلعله يميلهما إلى رأيه فيرتدا . وإنما خشي الخضر عليه السّلام منه ذلك ؛ لأن اللّه سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على عاقبة أمره ، وقرئ : « فخاف ربك » ، أي : كره سبحانه كراهية من خاف سوء عاقبة الأمر . ويجوز أن يكون القراءة المشهورة من قول اللّه سبحانه على الحكاية ، أي فكرهنا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ؛
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ
؛ بأن يرزقهما بدله ولدا
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً
: طهارة من الذنوب والأخلاق الردية ،
وَأَقْرَبَ رُحْماً
أي : رحمة وعطفا ، وفي التعرض لعنوان الربوبية والإضافة إليهما ما لا يخفى ؛ من الدلالة على وصول الخير إليهما ، فلذلك قيل : ولدت لهما جارية ، تزوجها نبي من الأنبياء فولدت نبيا ، هدى اللّه تعالى على يديه أمة من الأمم ، وقيل : ولدت سبعين نبيا ، وقيل : أبدلهما ابنا مؤمنا مثلهما .
وَأَمَّا الْجِدارُ
الذي أقمت
فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ
أي : القرية المذكورة فيما سبق ، ولعل التعبير عنها بالمدينة ؛ لإظهار نوع اعتداد بها ، باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالح ، قيل : اسم اليتيمين : أصرم وصريم .
وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما
من فضة وذهب ، كما في الحديث « 2 » ، والذم على كنزهما إنما هو لمن لم يؤد زكاته ، مع أن هذه شريعة أخرى . قال ابن عباس : ( كان لوحا من ذهب ، مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن
هامش
( 1 ) أي : مرضى بمرض مزمن . ( 2 ) أخرجه الترمذي في ( تفسير سورة الكهف ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 369 ) ، عن أبي الدرداء ؛ مرفوعا .