تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
عليه السّلام على الخضر قد جرى له مثله ، ففي هذه الأمثلة حجة عليه ، وذلك أنه لما أنكر خرق السفينة ، نودي : يا موسى أين كان تدبيرك هذا وأنت مطروح في اليم ؟ فلما أنكر قتل الغلام قيل له : أين إنكارك من وكزك القبطي وقضائك عليه ؟ فلما أنكر إقامة الجدار ، نودي : أين هذا من رفعك الحجر لبنات شعيب دون أجر ؟ واللّه تعالى أعلم . روى أنه قال له : لو صبرت لأتيت بك على ألفي عجيبة ، كلها مما رأيت . ولما أراد موسى عليه السّلام أن يفارقه ، قال له : أوصني ، قال : لا تطلب العلم لتحدث به ، واطلبه لتعمل به . ه . وفي رواية : قال له : اجعل همتك في معادك ، ولا تخض فيما لا يعنيك ، ولا تأمن الخوف ، ولا تيأس الأمن ، وتدبر الأمور في علانيتك ، ولا تذر الإحسان في قدرتك . فقال له : زدني يا ولى اللّه ، فقال : يا موسى إياك واللجاجة ، ولا تمش في غير حاجة ، ولا تضحك من غير عجب ، ولا تعير أحدا بخطيئة بعد الندم ، وابك على خطيئتك يا ابن عمران ، وإياك والإعجاب بنفسك ، والتفريط فيما بقي من عمرك ، فقال له موسى : قد أبلغت في الوصية ، أتم اللّه عليك نعمته ، وغمرك في رحمته ، وكلأك من عدوه . فقال الخضر : آمين . فأوصني أنت يا نبي اللّه ، فقال له موسى : إياك والغضب إلا في اللّه ، ولا ترضى عن أحد إلا في اللّه ، ولا تحب لدنيا ولا تبغض لدنيا ، فإنك تخرج من الإيمان وتدخل في الكفر ، فقال له الخضر : قد أبلغت في الوصية يا ابن عمران ، أعانك اللّه على طاعته ، وأراك السرور في أمرك ، وحببك إلى خلقه ، وأوسع عليك من فضله ، قال موسى : آمين . تنبيه : قد تقدم أن الجمهور على حياة الخضر عليه السّلام . وسبب تعميره أنه كان على مقدمة ذي القرنين ، فلما دخل الظلمات أصاب الخضر عين الحياة ، فنزل فاغتسل منها ، وشرب من مائها ، فأخطأ ذو القرنين الطريق ، فعاد ، فلم يصادفها ، قالوا : وإلياس أيضا في الحياة ، يلتقيان في كل سنة بالموسم ، واحتج من قال بموت الخضر بقوله - عليه الصلاة والسلام ، كما في الصحيح ، بعد صلاة العشاء : « أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإنّه على رأس مائة سنة ، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد » « 1 » ، ويجاب بأن الخضر عليه السّلام كان في ذلك الوقت في السحاب ، أو يخصص الحديث به ؛ كما يخص بإبليس ومن عمّر من غيره . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الاعتراض على المشايخ موجب للبعد عنهم ، والبعد عنهم موجب للبعد عن اللّه ، فلا وصول إلى اللّه إلا بالوصول إليهم مع التعظيم والاحترام ؛ « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » ؛ كما في الحكم . فالواجب على المريد ، إذا كان بين يدي الشيخ ، السكوت
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في ( العلم ، باب السمر في العلم ) ، ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب قوله صلى اللّه عليه وسلم : لا تأتى مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم ) ، من حديث ابن عمر - رضى اللّه عنه .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 298 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان