تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 293

مساهمون:

ص٢٩٣
قالَ
موسى عليه السّلام في اعتراضه :
أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً
« 1 » : طاهرة من الذنوب ، وقرئ بغير ألف ؛ مبالغة ،
بِغَيْرِ نَفْسٍ
أي : بغير قتل نفس محرمة ، فيكون قصاصا . وتخصيص نفى هذا القبيح بالذكر من بين سائر القبيحات من الكفر بعد الإيمان ، والزنا بعد إحصان ؛ لأنه أقرب إلى الوقوع ؛ نظرا لحال الغلام .
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
أي : منكرا ، قيل : أنكر من الأول ، إذ لا يمكن تداركه ، كما يمكن تدارك الأول ؛ بالسد ونحوه . وقيل : « الإمر » أعظم ؛ لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة .
قالَ
له الخضر عليه السّلام :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
، زاد
« لَكَ »
؛ لزيادة تأكيد المكافحة ؛ بالعتاب على رفض الوصية وقلة التثبت والصبر ، لما تكرر منه الإنكار ، ولم يرعو بالتذكير ، حتى زاد في النكير في المرة الثانية بذكر المنكر .
قالَ
موسى عليه السّلام :
إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها
؛ بعد هذه المرة
فَلا تُصاحِبْنِي
إن سألت صحبتك ، وقرأ يعقوب : « فلا تصحبني » ؛ رباعيا ، أي : لا تجعلني صاحبا لك ،
قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً
أي : قد أعذرت ووجدت من قبلي عذرا في مفارقتي ، حيث خالفتك ثلاث مرات . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يرحم اللّه أخي موسى ، استحيا ، فقال ذلك ، لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب » « 2 » . وفي البخاري : « وددنا لو صبر موسى ، حتى يقص اللّه علينا من أمرهما » « 3 » .
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ
، هي أنطاكية ، وقيل : أيلة ، وقيل الأبلة ، وهي أبعد أرض اللّه من السماء ، وقيل : برقة ، وقال أبو هريرة وغيره : هي بالأندلس . ويذكر أنها الجزيرة الخضراء . قلت : وهي التي تسمى اليوم طريفة ، وأصلها بالظاء المشالة . وذلك على قول أن مجمع البحرين عند طنجة وسبتة . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كانوا أهل قرية لئاما » . وقال قتادة : شر القرى التي لا يضاف فيها الضيف ، ولا يعرف لابن السبيل حقه . ثم وصف القرية بقوله :
اسْتَطْعَما أَهْلَها
أي : طلبا منهم طعاما ، ولم يقل : استطعماهم ، على أن يكون صفة لأهل ؛ لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعهم ، فإن الإباء من الضيافة ، مع كونهم أهلها قاطنين بها ، أشنع وأقبح . روى أنهما طافا بالقرية يطلبان الطعام ، فلم يطعموهما . واستضافاهم
فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما
بالتشديد ، وقرئ بالتخفيف . يقال : ضافه : إذا كان له ضيفا ، أضافه وضيّفه : أنزله ضيفا . وأصل الإضافة : الميل ، من : ضاف السهم
هامش
( 1 ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر : « زاكية » ؛ بألف بعد الزاي ، وتخفيف الياء ، اسم فاعل من « زكا » ، وقرأ الباقون : « زكية » ؛ بتشديد الياء من غير ألف . . . انظر الإتحاف 2 / 221 . ( 2 ) أخرجه ، بنحوه ، أبو داود في ( الحروف والقراءات ح 2984 ) ، وأصل الحديث في صحيح مسلم في ( الفضائل ، باب من فضائل الخضر ) . . في سياق طويل . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( التفسير ، سورة الكهف ) .