تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
مضروب يعتبرون به ، ومن جملته ما مر من مثل الرجلين ، ومثل الحياة الدنيا . أو : من كل نوع من أنواع المعاني البديعة الداعية إلى الإيمان ، التي هي ، في الغرابة والحسن واستجلاب القلوب ، كالمثل المضروب ، ليتلقوه بالقبول ، فلم يفعلوا .
وَكانَ الْإِنْسانُ
بحسب جبلّته
أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا
أي : أكثر الأشياء ، التي يتأتى منها الجدل ، جدلا ، وهو هنا شدة الخصومة بالباطل ، والمعنى : أن جدله أكثر من جدل كل مجادل ، وفيها ذم الجدل . وسببها : مجادلة النضر بن الحارث كما قيل ، وهي عامة .
وَما مَنَعَ النَّاسَ
أي : أهل مكة الذين حكيت أباطيلهم ، من
أَنْ يُؤْمِنُوا
باللّه تعالى ، ويتركوا ما هم فيه من الإشراك ،
إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى
أي : حين جاءهم القرآن الهادي إلى الإيمان ، بسبب ما فيه من فنون العلوم وأنواع الإعجاز ، فيؤمنوا ،
وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ
عما فرط منهم من أنواع الذنوب ، التي من جملتها : مجادلتهم للحق بالباطل ،
إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ
أي : ما منعهم إلا إتيان سنة الأولين ، وهو نزول العذاب المستأصل أو انتظاره ، فيكون على حذف مضاف ، أي : انتظار سنة الأولين ، وهو الهلاك . قال ابن جزى : معناها أن المانع للناس من الإيمان والاستغفار هو القضاء عليهم بأن تأتيهم سنّة الأمم المتقدمة ، وهي الإهلاك في الدنيا ، أو يأتيهم العذاب أي : عذاب الآخرة . ه . قلت : والظاهر أن معنى الآية : ما منعهم من الإيمان إلا انتظار آية يرونها عيانا ، كعادة الأمم الماضية ، فيهلكوا كما هي سنّة اللّه في خلقه ، أو : عذاب ينزل بهم جهرا ، وهو معنى قوله :
أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا
أي : مقابلة وعيانا . قال تعالى :
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ
إلى الأمم
إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
أي : مبشرين للمؤمنين بالثواب ، ومنذرين للكافرين بالعقاب ، دون إظهار الآيات واقتراح المعجزات ،
وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ
؛ باقتراح الآيات ؛ كالسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها . يفعلون ذلك
لِيُدْحِضُوا بِهِ
أي : بالجدال
الْحَقَّ
، أي : يزيلونه عن مركزه ويبطلونه ، من إدحاض القدم وهو إزلاقها . وجدالهم : قولهم لرسلهم عليهم السلام :
ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا
« 1 » ،
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً
« 2 » ، ونحوها .
وَاتَّخَذُوا آياتِي
التي تخرّ لها صمّ الجبال ، وهو القرآن ،
وَما أُنْذِرُوا
أي : وإنذارى لهم ، أو : الذي أنذروا به من العذاب والعقاب ،
هُزُواً
؛ مهزوءا به ، أو محل استهزاء .
هامش
( 1 ) الآية 15 من سورة يس . ( 2 ) الآية 24 من سورة المؤمنون .