تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
منك عبد لي بمجمع البحرين ، وهو الخضر « 1 » ، وكان قبل موسى عليه السّلام ، وكان في مقدّمة ذي القرنين ، فبقى إلى زمن موسى عليه السّلام ، وسيأتي ذكر التعريف به في محله ، إن شاء اللّه . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : إن موسى عليه السّلام سأل ربه : أىّ عبادك أحب إليك ؟ قال : الذي يذكرني ولا ينسانى ، قال : فأي عبادك أقضي ؟ قال : الذي يقضى بالحق ولا يتبع الهوى ، قال : فأي عبادك أعلم ؟ قال : الذي يستقى علم الناس إلى علمه ، عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى ، أو ترده عن ردى ، قال : يا رب إن كان في عبادك من هو أعلم منى فدلني عليه ؟ قال : أعلم منك الخضر ، قال : أين أطلبه ؟ قال : على ساحل البحر عند الصخرة « 2 » . قال : يا رب ، كيف لي به ؟ قال : خذ حوتا في مكتل ، فحيثما فقدته فهو هناك ، فأخذ حوتا مشويا ، فجعله في مكتل ، فقال لفتاه : إذا فقدتّ الحوت فأخبرني ، وذهبا يمشيان إلى أن اتصلا بالخضر ، على ما يأتي تمامه ، إن شاء اللّه تعالى . وحديث الخطبة هو الذي في صحيح البخاري « 3 » وغيره . واللّه تعالى أعلم أىّ ذلك كان . الإشارة : قصة سيدنا موسى مع الخضر - عليهما السلام - هي السبب في ظهور التمييز بين أهل الظاهر وأهل الباطن ، فأهل الظاهر قائمون بإصلاح الظواهر ، وأهل الباطن قائمون بتحقيق البواطن . أهل الظاهر مغترفون من بحر الشرائع ، وأهل الباطن مغترفون من بحر الحقائق . وقيل : هو المراد بمجمع البحرين ، حيث اجتمع سيدنا موسى ، الذي هو بحر الشرائع ، والخضر عليه السّلام ، الذي هو بحر الحقائق ، ولا يفهم أن سيدنا موسى عليه السّلام خال من بحر الحقائق ، بل كان جامعا كاملا ، وإنما أراد الحق تعالى أن ينزله إلى كمال الشرف ، بالتواضع في طلب زيادة العلم ؛ تأديبا له وتربية ، حيث ادعى القوة في نسبته العلم إلى نفسه ، وفي الحكم : « منعك أن تدعى ما ليس لك مما للمخلوقين ، أفيبيح لك أن تدعى وصفه وهو رب العالمين ! » . وهذه عادة اللّه تعالى مع خواصّ أحبائه ، إذا أظهروا شيئا من القوة ، أو خرجوا عن حد العبودية ، ولو أنملة ، أدبهم بأصغر منهم علما وحالا ؛ عناية بهم ، وتشريفا لهم ؛ لئلا يقفوا دون ذروة الكمال ، كقضية الشاذلي مع المرأة التي قالت له : تمنّ على ربك بجوع ثمانين يوما ، وأنا لي تسعة أشهر ماذقت شيئا . وكقضية الجنيد والسّري في جماعة من الصوفية ، حيث تكلموا في المحبة ، وفاض كل واحد على قدر اتساع بحره فيها ، فقامت امرأة بالباب ، عليها جبة صوف ، فردت على كل واحد ما قال ، حيث أظهروا قوة علمهم ، فأدبهم بامرأة . ويؤخذ من طلب موسى الخضر - عليهما السلام - والسفر إليه : الترغيب في العلم ، ولا سيما علم الباطن ، فطلبه أمر مؤكد . قال الغزالي رضي اللّه عنه : هو فرض عين ؛ إذ لا يخلو أحد من عيب أو اصرار على ذنب ، إلا الأنبياء - عليهم السلام - وقد قال الشاذلي رضي اللّه عنه : من لم يغلغل في علمنا هذا مات مصرا على الكبائر وهو لا يشعر . وباللّه التوفيق .
هامش
( 1 ) أخرج حديث موسى والخضر ، البخاري في مواضع منا : ( العلم ، باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السّلام في البحر إلى خضر ) ، و ( أحاديث الأنبياء ، باب حديث الخضر ) ، و ( التفسير ، سورة الكهف ) ، ومسلم في ( الفضائل ، باب من فضائل الخضر ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في التفسير ( 15 / 277 ) وعزاه السيوطي في الدر ( 4 / 423 ) لابن المنذر ، وابن أبي حاتم في التفسير . ( 3 ) أخرج البخاري حديث الخطبة في ( تفسير سورة الكهف ، باب « فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما » ) ، عن أبىّ بن كعب .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 285 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان