تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
الإشارة : ويوم نسير جبال الحس ، أو الوهم ، عن بساط المعاني ، وترى أرض العظمة بارزة ظاهرة لا تخفى على أحد ، إلا على أكمه لا يبصر القمر في حال كماله ، وحشرناهم إلى الحضرة القدسية ، فلم نغادر منهم ، أي : ممن ذهب عنه الحس والوهم ، أحدا ، وعرضوا على ربك ؛ لشهود أنوار جماله وجلاله ، صفا ، للقيام بين يديه ، فيقول لهم : لقد جئتمونا من باب التجريد ، كما خلقناكم أول مرة ، مطهّرين من الدنس الحسى ، غائبين عن العلائق والعوائق ، وكنتم تزعمون أن هذا اللقاء لا يكون في الدنيا ، وإنما موعده الجنة ، ومن مات عن شهود حسه ، وعن حظوظه ، حصل له الشهود واللقاء قبل الموت الحسى ، ووضع الكتاب في حق أهل الحجاب ، فترى المجرمين من أهل الذنوب مشفقين مما فيه ، ووجود العبد : ذنب لا يقاس به ذنب ، فنصب الموازين ، ومناقشة الحساب ؛ إنما هو لأهل الحجاب ، وأما العارفون الفانون عن أنفسهم ، الباقون بربهم ، لم يبق لهم ما يحاسبون عليه ؛ إذ لا يشهدون لهم فعلا ، ولا يرون لأحد قوة ولا حولا . واللّه تعالى أعلم . ولمّا كان سبب العذاب ووجود الحجاب هو التكبر على رب الأرباب ، ذكر وباله بإثر الحشر والحساب ، أو تقول : لمّا ذكر قصة الرجلين ذكر قبح صنيع من افتخر بنفسه ، وأنه شبيه بإبليس ، وكل من افتخر واستنكف عن الانتظام في سلك فقراء المؤمنين كان داخلا في حزبه . وقال الواحدي : ثم أمر اللّه تعالى نبيه أن يذكر لهؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس وما ورّثه الكبر ، فقال :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 50 إلى 51 ]

وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ( 50 ) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ( 51 ) قلت :
( إِلَّا إِبْلِيسَ )
: استثناء منقطع ، إذا قلنا : إن إبليس لم يكن من الملائكة ، وإذا قلنا : إنه منهم يكون متصلا ، ويكون معنى
« كانَ »
: صار ، أي : إلا إبليس صار من الجن لمّا امتنع من السجود ، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن ، وهم الذين خلقوا من النار . وجملة
( كانَ مِنَ الْجِنِّ )
: استئنافية سيقت مساق التعليل ، كأنه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : كان أصله جنّيا . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكر
إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
أي : وقت قولنا لهم :
اسْجُدُوا لِآدَمَ
سجود تحية وتكريم ،
فَسَجَدُوا
جميعا ؛ امتثالا للأمر ،
إِلَّا إِبْلِيسَ
أبى واستكبر ؛ لأنه
كانَ مِنَ الْجِنِّ
،