تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
تربية المهابة ، والجري على سنن الكبراء ، وإظهار اللطف به صلى اللّه عليه وسلم ما لا يخفى . قاله أبو السعود .
صَفًّا
أي : مصطفّين غير متفرقين ولا مختلطين ، كل أمة صفّ ، وفي الحديث الصحيح : « يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد ، صفوفا ، يسمعهم الدّاعى وينفذهم البصر . . . » « 1 » الحديث بطوله . وفي حديث آخر : « أهل الجنة ، يوم القيامة ، مائة وعشرون صفا ، أنتم منها ثمانون صفا » « 2 » . يقال لهم - أي : للكفرة منهم :
لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
، وتركتم ما خولناكم وما أعطيناكم من الأموال وراء ظهوركم . أو : حفاة عراة غرلا ، كما في الحديث . وهذه المخاطبة ، بهذا التقريع ، إنما هي للكفار المنكرين للبعث ، وأما المؤمنون المقرون بالبعث فلا تتوجه إليهم هذه المخاطبة ، ويدل عليه ما بعده من قوله :
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
أي : زعمتم في الدنيا أنه ، أي : الأمر والشأن ، لن نجعل لكم وقتا يتنجّز فيه ما وعدته من البعث وما يتبعه . وهو إضراب وانتقال من كلام ، إلى كلام ، كلاهما ؛ للتوبيخ والتقريع .
وَوُضِعَ الْكِتابُ
أي : كتاب كل أحد ، إما في يمينه أو شماله ، وهو عطف على :
( عُرِضُوا )
، داخل تحت الأمور الهائلة التي أريد بذكرها تذكير وقتها ، وأورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي ؛ لتحقق وقوعه ، وإيثار الإفراد ؛ للاكتفاء بالجنس ، والمراد : صحائف أعمال العباد . ووضعها إما في أيدي أصحابها يمينا وشمالا ، أو في الميزان .
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ
قاطبة ، المنكرون للبعث وغيرهم ،
مُشْفِقِينَ
: خائفين
مِمَّا فِيهِ
من الجرائم والذنوب ،
وَيَقُولُونَ
، عند وقوفهم على ما في تضاعيفه ؛ نقيرا أو قطميرا :
يا وَيْلَتَنا
أي : ينادون بتهلكتهم التي هلكوها من بين التهلكات ، ومستدعين لها ؛ ليهلكوا ، ولا يرون تلك الأهوال ، أي : يا ويلتنا احضرى ؛ فهذا أوان حضورك ، يقولون :
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ
: لا يترك
صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
من ذنوبنا
إِلَّا أَحْصاها
أي : حواها وضبطها ، وجملة
لا يُغادِرُ
: حال محققة ؛ لما في الاستفهام من التعجب ، أو استئنافية مبنية على سؤال مقدر ، كأنه قيل : ما شأنه حتى يتعجب منه ؟ فقال : لا يغادر سيئة صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ،
وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا
في الدنيا من السيئات ، أو جزاء ما عملوا
حاضِراً
: مسطورا عتيدا ،
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
، فيكتب مالم يعمل من السيئات ، أو يزيد في عقابه المستحق له . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) أخرجه بطوله البخاري في ( تفسير سورة الإسراء ، باب قوله تعالى :ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ . . .) ، ومسلم في ( الإيمان ، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ) ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 1 / 453 ) ، والبراز ( كشف الأستار / 3534 ) عن ابن مسعود .