تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
الخامسة : التماس الترقي والزيادة في الاهتداء واليقين ، فكل مقام يدركه ينبغي أن يطلب مقاما أعلى منه ، ولا نهاية لعلمه تعالى ولا لعظمته ، ( وقل عسى أن يهديني ربى لأقرب من هذا رشدا ) ، وباللّه التوفيق . ثم أمره بتلاوة كتابه الذي هو أصل كل رشد وصواب ، وأقرب هداية لذوي الألباب ، فقال تعالى :

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 27 ]

وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 ) يقول الحق جل جلاله :
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ
أي : اسرده على ما نزل ، ولا تسمع لقولهم :
ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا
« 1 » ، أو اتبع أحكامه ،
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
: لا قادر على تبديله غيره ، أو : لا مغير لما وعد بكلماته للمخالفين له ،
وَلَنْ تَجِدَ
أبدا
مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
أي : ملجأ ، تعدل إليه عند إلمام ملمة ، أو : لن تجد ، إن بدلت ؛ تقديرا ، وخالفت ما أنزل إليك ، ملتحدا : ملجأ تميل إليه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : القرآن شفاء لكل داء فمن نزلت به شدة حسية أو معنوية ، دنيوية أو دينية ، ففزع إليه بالتلاوة أو الصلاة به ، رأى فرجا ، وقريبا ، فالالتجاء إلى كلام الله هو الالتجاء إلى الله ، فإنّ الحق تعالى يتجلى في كلامه للقلوب على قدر صفائها ، وأما من التجأ إلى غير اللّه فقد خاب رجاؤه وبطل سعيه ؛ قال تعالى :
( وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً )
تميل إليه فيأويك . والله تعالى أعلم . ثم أمر بصحبة الفقراء ، الذين يعينونه على تلاوة كتابه ونصر دينه والتمسك به ، فقال :

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 28 ]

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) قلت :
( وَلا تَعْدُ )
: نهى مجزوم بحذف الواو ، و
( عَيْناكَ )
: فاعل ، و
( تُرِيدُ )
: حال من الكاف ، أو من فاعل
( تَعْدُ )
. يقول الحق جل جلاله :
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
أي : احبسها
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ
أي : يعبدونه
بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
، قيل : الصلوات الخمس ، فالغداة : الصبح ، والعشىّ : الظهر وما بعده ، وقيل : الصبح والعصر ،
هامش
( 1 ) من الآية 15 من سورة يونس .