تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
الذي لبثوا فيه .
لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي : ما غاب فيهما ، وخفى من أحوال أهلها ،
أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ
أي : ما أسمعه وما أبصره . دل بصيغة التعجب على أن سمعه تعالى وبصره خارج عما عليه إدراك المدركين ؛ لأنه تعالى لا يحجبه شئ ، ولا يحول دونه حائل ، ولا يتفاوت بالنسبة اليه اللطيف والكثيف ، والصغير والكبير ، والخفي والجلى . والتعجب في حقه تعالى مجاز ؛ لأنه إنما يكون مما خفى سببه ، ولأنه دهشة وروعة تلحق المتعجب عند معاينة ما لم يعتده ، وهو تعالى منزّه عن ذلك ، فيؤوّل بأنه مبالغة في إحاطة سمعه وبصره بكل شئ ، كما تقدم .
ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ
أي : ما لأهل السماوات والأرض من دونه تعالى من ولى ؛ يتولى أمورهم وينصرهم إلا هو سبحانه ،
وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ
: في قضائه في علم الغيب
أَحَداً
منهم ، ولا يجعل له فيه مدخلا ، وقرئ بالخطاب لكل أحد ، أي : ولا تشرك أيها السامع في حكمه وتدبيره أحدا من خلقه ، فإنه لا فعل له ولا تدبير . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد تضمنت إشارة الآية خمس خصال من خصال الصوفية : الأولى : ترك المراء والجدال ، إلا ما كان على وجه المذاكرة والمناظرة في استخراج الحق أو تحقيقه ، من غير ملاججة ولا مخاصمة ، في سهولة وليونة وسلامة القلوب . الثانية : استفتاء القلوب فيما يعرض من الأمور ؛ قال صلى اللّه عليه وسلم : « استفت قلبك ، وإن أفتاك المفتون وأفتوك ، فالبر ما اطمأن القلب وسكن إليه ، والإثم ما حاك في الصدر وتردد » « 1 » ، والمراد بالقلوب التي تستفتى . القلوب الصافية المنورة بذكر اللّه ، الزاهدة فيما سوى اللّه ، فإنها إذا كانت بهذه الصفة لا يتجلى فيها إلا الحق ، ولا تسكن إلا إلى الحق ، بخلاف القلوب المخوضة بحب الدنيا والهوى ، فلا تفتى إلا بما يوافق هواها . الثالثة : التفويض إلى مشيئة اللّه وتدبيره ، والرضا بما يبرز به القضاء ، بحيث لا يعقد على شئ ، ولا يجزم بفعل شئ ، إلا ملتبسا بمشيئة اللّه ، فينظر ما يفعل اللّه ، فالعاقل إذا أصبح نظر ما يفعل اللّه به ، والجاهل إذا أصبح نظر ما يفعل بنفسه ، كما قال صاحب الحكم . الرابعة : الاشتغال بالذكر والفكر ، حتى يغيب عما سوى المذكور ؛ قال تعالى :
( وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ )
أي : إذا نسيت ما سواه ، حينئذ تكون ذاكرا حقيقة ، فالذكر الحقيقي : هو الذي يغيب صاحبه عن شهود نفسه ورسمه وحسه ، حتى يكون الحق تعالى هو المتكلم على لسانه ؛ لشدة غيبته فيه ، وهذا أمر مشاهد لمن عثر على شيخ التربية والتزم صحبته .
هامش
( 1 ) أخرجه بنحوه الإمام أحمد في المسند ( 4 / 224 ) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ( تهذيب 3 / 212 ) عن وابصة . وصححه محقق المسند . وزاد في كشف الخفاء ( 2 / 124 ) عزو الحديث لأبى يعلى وأبى نعيم .