تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
فقال له : إن أمّى تستكسيك الدّرع الذي عليك ، فدخل داره ونزع قميصه وأعطاه ، وقعد عريانا ، وأذّن بلال ، وانتظره للصلاة ، فلم يخرج ، فأنزل اللّه :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ . . .
الآية « 1 » . ثم سلّاه بقوله :
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ
؛ يوسعه
لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ
؛ يضيقه على من يشاء . فكل ما يصيبك من الضيق فإنما هو لمصلحة باطنية ،
إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
؛ يعلم سرهم وعلانيتهم ، فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ؛ فيرزقهم على حسب مصالحهم ، ويضيق عليهم على قدر صبرهم . والحاصل : أنه يعطى كل واحد ما يصلح به ، واللّه أعلم . الإشارة : أمر الحق - جل جلاله - رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وخلفاءه ممن كان على قدمه ، أن يعطوا حق الواردين عليهم من قرابة الدين والنسب ، والمساكين والغرباء ، من البر والإحسان حسا ومعنى ؛ كتعظيم ملاقاته ، م وإرشادهم إلى ما ينفع بواطنهم ، والإنفاق عليهم ، من أحسن ما يجد ، حسا ومعنى ، وخصوصا الإخوان في اللّه . فكل ما ينفق عليهم فهو قليل في حقهم ، ولا يعد سرفا ، ولو أنفق ملء الأرض ذهبا . قال في القوت : دعا إبراهيم بن أدهم الثورىّ وأصحابه إلى طعام ، فأكثر منه ، فقال له سفيان : يا أبا إسحاق ؛ أما تخاف أن يكون هذا سرفا ؟ فقال إبراهيم : ليس في الطعام سرف . ه . قلت : هذا إن قدّمه إلى الإخوان الذاكرين اللّه ؛ قاصدا وجه اللّه ، وأما إن قدمه ؛ مفاخرة ومباهاة دخله السرف . قاله في الحاشية الفاسية ، ومثله في تفسير القشيري ، وأنه لا سرف فيما كان للّه ، ولو أنفق ما أنفق . بخلاف ما كان لدواعي النفس ولو فلسا . ه . وأما الخروج عن المال كله فمذموم ، إلا من قوى يقينه ، كالصدّيق ، ومن كان على قدمه . وكذلك الاستقراض على اللّه ، واشتراؤه بالدّين من غير مادة معلومة ، إن كان قوى اليقين ، وجرّب معاملته مع الحق ، فلا بأس بفعل ذلك ؛ وإلّا فليكف ؛ لئلا يتعرض لإتلاف أموال الناس فيتلفه اللّه . وباللّه التوفيق . ولما أمر بما يقربنا إليه نهى عما يبعدنا عنه ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 31 إلى 35 ]

وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً ( 31 ) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً ( 32 ) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً ( 34 ) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 35 )
هامش
( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 5 / 90 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 94 ) . وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : لم أجده .