تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ومن تمام برهما : زيارتهما بعد موتهما ، والدعاء لهما ، والتصدق عليهما ، ففي الحديث : « إنما الميت في قبره كالغريق ، ينتظر دعوة تلحقه من ابنه أو أخيه أو صديقه ، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها » . وروى مالك في الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه قال : ( كان يقال : إن الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده ، وأشار بيده نحو السماء ) ، وهو مرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : من طريق أبي هريرة قال : « إن اللّه ليرفع العبد الدرجة ، فيقول : يا رب ، أنّى لي بها ؟ ! فيقول : باستغفار ابنك لك » « 1 » ، وسأل رجل النبي صلى اللّه عليه وسلم : هل بقي من بر أبوىّ شئ أبرهما به ، بعد موتهما ؟ فقال : « نعم . . الصلاة عليهما - أي : الترحم والاستغفار لهما - ، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام صديقهما » « 2 » . قال تعالى :
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ
من قصد البر إليهما ، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير . وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالا ،
إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ
؛ قاصدين للصلاح ، أو طائعين للّه ،
فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ
: التوابين ، أو الرجّاعين إلى طاعته ،
غَفُوراً
لما فرط منهم عند حرج الصدر ؛ من إذاية ظاهرة أو باطنة ، أو تقصير في حقهما . ويجوز أن يكون عاما لكل تائب ، ويندرج فيه الجاني على أبويه اندراجا أوليا . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل ما أوحى اللّه تعالى به في حق والدي البشرية ، يجرى مثله في والد الروحانية ، وهو الشيخ ، ويزيد ؛ لأنه أوكد منه ؛ لأنّ أب البشرية كان السبب في خروجه إلى دار الدنيا ، معرضا للعطب أو السلامة ، وأب الروحانية كان سببا في خروجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم والوصلة ، وهما السبب في التخليد في النعيم الذي لا يفنى ولا يبيد . وقد تقدم في سورة النساء تمام هذه الإشارة « 3 » . واللّه تعالى أعلم . ثم أمر بالإحسان إلى القرابة ؛ لقربهما من الوالدين ، تعظيما لهما ، فقال :

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 26 إلى 30 ]

وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 ) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ( 28 ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ( 29 ) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ( 30 )
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 509 ) ، وابن ماجة في ( الأدب ، باب بر الوالدين ) من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه أبو داود في ( الأدب ، باب في بر الوالدين ) وابن ماجة في ( الأدب ، باب صل من كان أبوك يصل ) والحاكم في المستدرك ( 2 / 3066 ) ، وصححه ووافقه الذهبي من حديث مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري . ( 3 ) راجع إشارة الآية 36 من سورة النساء .