تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
قلت :
( قَضى )
، هنا ، بمعنى حكم وأوجب وأمر ، لا بمعنى القضاء ؛ إذ لو كان كذلك لما عبد غير اللّه . وفي مصحف ابن مسعود : « ووصى ربك ألا تعبدوا » . و ( أن ) : مفسرة ، أو مصدرية ، أي : بأن لا تعبدوا ، و
( إِمَّا )
: إن الشرطية دخلت عليها « ما » المؤكدة . و
( فَلا تَقُلْ )
: جوابها . وتوحيد ضمير الخطاب في
( عِنْدَكَ )
، وفيما سبق - مع أن ما سبق ضمير الجمع - ؛ للاحتراز عن التباس المراد ، فإنّ المقصود نهى كل أحد عن تأفيف والديه ونهرهما . ولو قوبل الجمع بالجمع ، أو بالتثنية ، لم يحصل هذا المرام . و
« أُفٍّ »
: اسم فعل ، معناها : قول مكروه ، يقال عند الضجر ونحوه . قال الهروي : أي : لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم ، ويقال لكل ما يضجر منه ويستثقل : أفّ له . وقال في القاموس : أفّ ، يؤفّ ، ويئفّ : تأفف من كرب أو ضجر . وأفّ : كلمة تكره ، وأفف تأفيفا ، وتأفّف ، قالها « 1 » ، ولغتها أربعون ، ثم ذكرها . وحركتها للبناء ، وتنوينها للتنكير . يقول الحق جل جلاله :
وَقَضى رَبُّكَ
؛ أمر أمرا مقطوعا به ، ب
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
؛ لأن غاية التعظيم لا يكون إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام ، وهو اللّه وحده ،
وَ
أحسنوا
بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً
؛ لأنهما السبب الظاهر في وجود العبد ، وبهما قامت نعمة الإمداد من التربية والحفظ في مظاهر الحكمة ، وإلّا فما ثمّ إلا تربية الحق تعالى ، ظهرت في مظاهر الوالدين ، لكن أمر بشكر الواسطة ؛ « من لم يشكر الناس لم يشكر اللّه » . ثم أمر ببرهما ، فقال :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
أي : مهما بلغ زمن الكبر ، وهما عندك في كفالتك ، هما أو أحدهما ،
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
أي : فلا تضجر فيما يستقذر منهما ويستثقل من مؤنتهما ، ولا تنطق بأدنى كلمة توجعهما ، فأحرى ألا يقول لهما ما فوق ذلك . فالنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء ؛ قياسا بطريق الأحرى . وقال في الإحياء : الأفّ : وسخ الظفر ، والتف : وسخ الأذن ، أي : لا تصفهما بما تحت الظفر من الوسخ ، فأحرى غيره ، وقيل : لا تتأذّ بهما كما يتأذى بما تحت الظفر . ه .
وَلا تَنْهَرْهُما
؛ ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ ، فإن كان لإرشاد ديني فبرفق ولين .
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
؛ جميلا لينا لا غلظ فيه ،
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ
؛ ألن لهما جانبك الذليل ، وتذلل لهما وتواضع . استعار للذل جناحا ، وأضافه إليه ؛ مبالغة ؛ فإنّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض ، كذلك الولد ، ينبغي أن يخضع لأبويه ، ويلين جانبه ، ويتذلل لهما غاية جهده . وذلك
مِنَ الرَّحْمَةِ
أي : من إفراط الرحمة
هامش
( 1 ) أي : قال كلمة « أف » .