تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
الآية ؛ لأن الحكم المرتب على شرط يتكرر بتكرره ، وأخذ مالك بعمل أهل المدينة في ترك التعوذ في الصلاة . وهو تابع للقراءة في السر والجهر ، وعن ابن مسعود : قرأت على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت : أعوذ باللّه السميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال : « قل : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » « 1 » . ثم قال تعالى :
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ
أي : تسلط وولاية
عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
أي : لا تسلط له على أولياء اللّه المؤمنين به ، والمتوكلين عليه ، فإنهم لا يطيعون أوامره ، ولا يصغون إلى وساوسه ، إلا فيما يحتقر ، على ندور وغفلة .
إِنَّما سُلْطانُهُ
أي : تسلّطه
عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ
: يحبونه ويطيعونه ،
وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ
أي : باللّه ، أو : بسبب الشيطان ،
مُشْرِكُونَ
؛ حيث حملهم على الشرك فأطاعوه . الإشارة : الاستعاذة الحقيقية من الشيطان هي : الغيبة عنه في ذكر اللّه أو شهوده ، فلا ينجح في دفع الشيطان إلا الفرار منه إلى الرحمن . قال تعالى :
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ
« 2 » . فإن الشيطان كالكلب ، كلما اشتغلت بدفعه قوى نبحه عليك ، فإما أن يخرق الثياب ، أو يقطع الإهاب ، فإذا رفعت أمره إلى مولاه كفه عنك . وقد قال شيخ شيوخنا سيدي على الجمل رضي اللّه عنه : عداوة العدو حقا هو اشتغالك بمحبة الحبيب حقا ، وأما إذا اشتغلت بعداوة العدو ، فاتتك محبة الحبيب ، ونال مراده منك . ه . فالعاقل هو الذي يشتغل بذكر اللّه باللسان ، ثم بالقلب ، ثم بالروح ، ثم بالسر ، فحينئذ يذوب الشيطان ولا يبقى له أثر قط ، أو يذعن له ويسلم شيطانه ، فإنما حركه عليك ؛ ليوحشك إليه . وفي الحكم : « إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك ، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده » . فإذا تعلقت بالقوى المتين ، هرب عنك الشيطان اللعين . وسيأتي مزيد كلام إن شاء اللّه عند قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ . .
« 3 » الآية . وباللّه التوفيق . ومن أقبح وسوسة الشيطان : الطعن في القرآن ، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 101 إلى 103 ]

وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 101 ) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 102 ) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 )
هامش
( 1 ) عزاه المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 758 ) للثعلبي . ( 2 ) من الآية 50 من سورة الذاريات . ( 3 ) من الآية 6 من سورة فاطر .