تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
: لفظ يقتضى صلة الرحم ، ويعم جميع إسداء الخير إلى القرابة ، وتركه مبهما أبلغ ؛ لأن كل من وصل في ذلك إلى غاية - وإن علت - يرى أنه مقصر ، وهذا المعنى المأمور به في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان ، لكنه تعالى خصه بالذكر ؛ اهتماما به وحضا عليه . ه .
يَعِظُكُمْ
بما ذكر من التمييز بين الأمر والنهى ، والخير والشر ،
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
: تتعظون فتنهضون إلى ما أمرتكم به وندبتكم إليه ، وتنكفوا عما نهيتكم عنه وحذرتكم منه . الإشارة :
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ )
؛ بالتوسط في الأمور كلها ، كالتوسط في السير والمجاهدة ؛ فإن الإسراف يوقع في الملل ، قال - عليه الصلاة والسلام - : « لا يكن أحدكم كالمنبت ؛ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » . وقال صلى اللّه عليه وسلم أيضا : « إنّ اللّه لا يمل حتى تملوا » . واللّه ما رأيت أحدا أسرف في الأحوال فوصل إلى ما قصد ، إلا النادر ، وخير الأمور أوسطها . ويأمر بالإحسان ، وهو : مقام الشهود والعيان .
( وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى )
؛ قرابة الدين ، وهم : الإخوان في الله ، ما يستحقونه من النصح والإرشاد ،
( وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ )
: الركون لغير الله ،
( وَالْمُنْكَرِ )
: التكبر على عباد الله ،
( وَالْبَغْيِ )
: ظلم أحد من خلق الله ، من الفيل إلى الذرة . وقال في الإحياء : بين التبذير والإقتار المذمومين وسط ، وهو المحمود المأمور به ، والواجب منه شيئان : واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة . والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة ، فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ، كالذي يمنع أداء الزكاة ، ويمنع أهله وعياله النفقة ، أو يؤديها لا بطيب نفسه ، بل بتكلف ومشقة . وكالذي يتيمم الخبيث من ماله ، ولا يعطى من أطيبه وأوسطه ، فهذا كله بخل . وأما واجب المروءة فهو : ترك المضايفة والاستقصاء في المحقرات ، وذلك يختلف ؛ فيستقبح من الغنى ما لا يستقبح من الفقير ، ويستقبح من الرجل مع أقاربه ما لا يستقبح مع الأجانب ، وكذلك الجار والمماليك والضيف . ه . وقال الورتجبي : إن الله تعالى دعا عباده إلى الاتصاف بصفته ، منها : العدل والإحسان والشفقة والرحمة ، والقدس ، والطهارة عما لا يليق به . فهو العادل والمحسن ، والرحمن الرحيم ، غير ظالم جائر ، وهو منزه عن جميع العلل ، فمن كسى أنوار هذه الصفات ، بنعت الذوق والمباشرة ، واستحلى تربيتها يخرج عادلا محسنا ، رؤوفا رحيما ، طاهرا مطهرا ، صادقا مصدقا ، وليا ، حبيبا محبوبا ، مريدا مرادا ، مراعى محفوظا ، يعدل بنفسه فيدفعها عن الشك والشرك ، ورؤية الغير وطلب العوض في العبودية ، ويأخذ منها الإنصاف بينها وبين عباد الله ، ويحسن إلى من أساء إليه ، ويعبد الله بوصف الرؤية وشهود غيبه ، ويراعى ذوى القرابة ، في المعرفة والمحبة ؛ من المريدين والصادقين ، ويرحم الجهال من المسلمين ، وينهى نفسه عن مباشرة فواحش الأنانية ، ومباشرة الهوى والشهوة ،