تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
أسرار الحقيقة ، وهم : الأولياء الكبراء ، أعنى : العارفين باللّه ، فمن فرط في شئ منهما قامت عليه الحجة ؛ فإذا اعتذر لا ينفعه ، وإذا طلب الرجوع لا يجده ، وإذا أحاط به عذاب الحجاب لا ينفك عنه . وكل من أحب شيئا من دون اللّه ، تبرأ منه يوم القيامة ، وكل من أنكر الخصوصية على أولياء زمانه ، وصد الناس عنه ؛ تضاعف عذابه ، وكثف حجابه يوم القيامة . والله تعالى أعلم . ولما ذكر أن القرآن فيه تبيان كل شئ ، ذكر آية تضمنت أصول الأحكام ، فيها تبيان كل شئ ؛ إجمالا ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 90 ]

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 90 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
أي : التوحيد ، أو الإنصاف ، أو فعل الفرائض ،
وَالْإِحْسانِ
، وهو : فعل المندوبات . وذلك في حقوق الله تعالى ، وفي حق عباده ، أو العدل في الأحكام ، كل واحد فيما ولى فيه ؛ « كلكم راع » . والإحسان إلى عباد الله برهم وفاجرهم . قال ابن عطية : العدل : هو فعل كل مفروض ؛ من عقائد وشرائع ، وسير مع الناس في أداء الأمانات ، وترك الظلم ، والإنصاف ، وإعطاء الحق . والإحسان هو : فعل كل مندوب إليه . وقال البيضاوي :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
: بالتوسط في الأمور ؛ اعتقادا ، كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ، والقول بالكسب ، المتوسط بين محض الجبر والقدر ، وعملا ، كالتعبد بأداء الواجبات ، المتوسط بين البطالة والترهب ، وخلقا ، كالجود المتوسط بين البخل والتبذير ، والإحسان : إحسان الطاعات ، وهو إما بحسب الكمية ، كالتطوع بالنوافل ، أو بحسب الكيفية ، كما قال - عليه الصلاة والسلام : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » .
وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى
: وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه ، وهو تخصيص بعد تعميم ؛ للمبالغة .
وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
: عن الإفراط في متابعة القوة الشهوية ، كالزنى ؛ فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها ،
وَالْمُنْكَرِ
: ما ينكر على متعاطيه في إيثاره القوة الغضبية ،
وَالْبَغْيِ
: الاستعلاء والاستيلاء على الناس ، والتجبر عليهم ، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية ، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام ، صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث ، ولذلك قال ابن مسعود رضي اللّه عنه : « هي أجمع آية في القرآن للخير والشر » . وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون ، فلو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ ، وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل إيرادها عقب قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
؛ للتنبيه عليه . ه . وفي القوت : هي قطب القرآن . ه . وعن عثمان بن مظعون : أنه قال : لمّا نزلت هذه الآية ؛ قرأتها على أبى طالب ، فعجب ، وقال : آل غالب ، اتبعوه تفلحوا ، فو اللّه إن الله أرسله ليأمر بمكارم الأخلاق . ه . قال ابن عطية :