تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
قلت :
« عَبْداً »
: بدل من
« مَثَلًا »
، و
« مَنْ »
: نكرة موصوفة ، أي : عبدا مملوكا ، وحرا رزقناه منا رزقا حسنا ، وقيل : موصولة . و
« سِرًّا وَجَهْراً »
: على إسقاط الخافض ، وجمع الضمير في
« يَسْتَوُونَ »
؛ لأنه للجنسين ، و
« رَجُلَيْنِ »
: بدل من :
« مَثَلًا »
. يقول الحق جل جلاله :
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
لضعف العبودية ، وعظمة الربوبية ، ثم بيّنه فقال :
عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
، وهذا مثال للعبد ،
وَمَنْ رَزَقْناهُ
أي : وحرا رزقناه
مِنَّا رِزْقاً حَسَناً ، فَهُوَ
يتصرف فيه كيف يشاء ،
يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً
، وهذا : مثال للرب تبارك وتعالى ، مثّل ما يشرك به من الأصنام بالمملوك العاجز عن التصرف رأسا ، ومثّل لنفسه بالحر المالك الذي له مال كثير ، فهو يتصرف فيه ، وينفق منه كيف شاء . وقيل : هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق . وتقييد العبد بالمملوك ؛ للتمييز من الحر ؛ فإنه أيضا عبد للّه . وبسلب القدرة عن المكاتب والمأذون في التصرف ، فإن الأصنام إنما تشبه العبد القنّ « 1 » الذي لا شوب حرية فيه ، بل هي أعجز منه بكثير ، فكيف تضاهى الواحد القهار ، الذي لا يعجزه مقدور ؟ ولذلك قال :
هَلْ يَسْتَوُونَ
؟ أي : العبيد العجزة ، والمتصرف بالإطلاق .
الْحَمْدُ لِلَّهِ
على بيان الحق ووضوحه ؛ لأنها نعمة جليلة يجب الشكر عليها ، أو الحمد كله لله لا يستحقه غيره ، فضلا عن العبادة ؛ لأنه مولى النعم كلها .
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أي : لا علم لهم : فيضيفون النعم إلى غيره ويعبدونه لأجلها ، أو لا يعلمون ما يصيرون إليه من العذاب فيشركون به . ثم ضرب الله مثلا آخر فقال :
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا
، ثم بيّنه بقوله :
رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ
؛ ولد أخرس ، لا يفهم ولا يفهم ،
لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ
من الصنائع والتدابير ؛ لنقصان عقله ،
وَهُوَ كَلٌّ
أي : ثقيل عيال
عَلى مَوْلاهُ
الذي يلي أمره ،
أَيْنَما يُوَجِّهْهُ
: يرسله في حاجة أو أمر
لا يَأْتِ بِخَيْرٍ
؛ بنجح وكفاية مهم . وهذا مثال للأصنام .
هَلْ يَسْتَوِي هُوَ
أي : الأبكم المذكور ،
وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
؛ ومن هو منطيق متكلم بحوائجه ، ذو كفاية ورشد ، ينفع الناس ويحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل ،
وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي : وهو في نفسه على طريق مستقيم ، لا يتوجه إلى مطلب إلا ويحصله بأقرب سعى ؟ وهذا مثال للحق تعالى ، فضرب هذا المثل لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام ، وقيل : للكافر والمؤمن . والأصوب : كون المثلين معا في الله مع الأصنام ؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها وما بعدها في تبيين أمر الله ، والرد على أمر الأصنام . واللّه تعالى أعلم .
هامش
( 1 ) العبد القنّ : الذي ملك هو وأبواه ، ويقابله : عبد المملكة ، الذي ملك هو دون أبويه . انظر : النهاية ( قنن ) .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 150 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان