تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
ساداتهم . وهو احتجاج على وحدانيته تعالى ، وإنكار ورد على المشركين ، فكأنه يقول : أنتم لا تسوّون بين أنفسكم وبين مماليككم في الرزق ، ولا تجعلونهم شركاء لكم ، بل تأنفون من ذلك ، فكيف تجعلون عبيدي شركاء لي في ألوهيتى ؟ ! وهذا كقوله :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
« 1 » . ويحتمل أن يكون ذما وعتابا لمن لا يحسن إلى مملوكه ، حتى يرد ما رزقه اللّه عليه ، كما في الحديث : « أطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون » « 2 » .
أَ فَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
، حيث يجعلون له شركاء ، فإنه يقتضى أن يضاف إليهم بعض ما أنعم اللّه عليهم ، ويجحدوا أنه من عند اللّه ، أو حيث أنكروا هذه الحجج ، بعد ما أنعم اللّه عليهم بإيضاحها ، أو حيث بخسوا مماليكهم مما يجب لهم من الإنفاق . على التفسير الثاني . الإشارة : واللّه فضّل بعضكم على بعض في أرزاق العلوم ، والأسرار والمواهب ، فمنكم غنى بالله ، ومنكم فقير منه في قلبه ، ومنكم عالم به ومنكم جاهل ، ومنكم قوى اليقين ومنكم ضعيف ، فما الذين فضّلوا بالعلوم اللدنية والأسرار الربانية برادّى تلك العلوم على الجهلة وضعفاء اليقين ، بأن يطلعوهم على أسرار الربوبية قبل استحقاقها - فإن ذلك بخس بحقها - حتى يرونهم أهلا لها ؛ بأن يبذلوا لهم أنفسهم وأموالهم ، ويملكون لهم رقابهم يتصرفون فيها تصرف المالك في مملوكه ، فحينئذ يشاركونهم فيما منحهم اللّه من أرزاق العلوم وأسرار الفهوم ، وقد قيل : لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم . وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
سأكتم علمي عن ذوى الجهل طاقتى * ولا أنثر الدرّ النّفيس على البهم
فإن قدّر اللّه الكريم بلطفه * ولا قيت أهلا للعلوم وللحكم
بذلت علومى واستفدت علومهم * وإلّا فمخزون لدىّ ومكتتم
فمن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ثم ذكّرهم بالنعم التي لا قدرة لأحد عليها ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 72 ]

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ( 72 )
هامش
( 1 ) من الآية 28 من سورة الروم . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الزهد ، باب حديث جابر الطويل ) ، من حديث أبي اليسر .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 147 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان