تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
قلت : الحفدة : جمع حافد ، وهو الخديم المسرع في الخدمة ، والحفد في اللغة : الخدمة ، ومنه في القنوت : « وإليك نسعى ونحفد » ، أي : نسرع في خدمتك . وسموا أولاد الأولاد حفدة ؛ لأنهم يسرعون في خدمة جدهم ، حين كبر ولزم الدار ، وقيل : هم البنات ؛ لأنهن يخدمن الدار . يقول الحق جل جلاله :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً
؛ حيث خلق حواء من ضلع آدم ، وسائر النساء من نطفة الرجال ، والنساء خلقهن لكم ، لتتأنسوا بهن ، ولتتمتعوا بهن في الحلال ، وليكون أولادكم مثلكم .
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ
من صلبكم
وَحَفَدَةً
؛ أولاد أولادكم أو بناتكم ؛ فإن البنات يخدمن في البيوت أشد الخدمة ، أو الأصهار من قبل النساء ، أو الخدم ،
وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ
؛ من اللذائذ والمشتهيات ؛ كأنواع الثمار والحبوب والفواكه ، والحيوان ؛ أكلا وركوبا وزينة ، أو الحلالات ، و
« مِنْ »
: للتبعيض ؛ فإن طيبات الدنيا أنموذج من نعيم الآخرة .
أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ
وهو أن الأصنام تنفعهم ؛ لأن الأصنام باطلة لا حقيقة لوجودها ، وإضافة النفع لها : كفر بنعمة الله ، ولذلك قال :
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ
؛ حيث أضافوها إلى أصنامهم ، أو حيث حرّموا منها ما أحله الله لهم كالبحائر والسوائب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : والله جعل لكم من أنفسكم المطهرة أصنافا من العلوم اللدنية . قال أبو سليمان الداراني : ( إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام ، جالت في الملكوت ، ثم عادت إلى ذلك العبد بطرائف الحكمة ، من غير أن يؤدى إليها عالم علما ) . وجعل لكم من تلك العلوم بنين روحانيين ، وهو التلامذة ، يحملون تلك العلوم ، وحفدة : من ينقل ذلك عنهم إلى يوم القيامة ، ورزقكم من الطيبات ، وهي حلاوة المعرفة عند العارفين ، وحلاوة الطاعات عند المجتهدين . أفبالباطل - وهو ما سوى اللّه - يؤمنون ، فيقفون مع الوسائط والأسباب ، ويغيبون عن مسبب الأسباب ، وبنعمة اللّه - التي هي شهود الحق بلا وسائط - هم يكفرون . ثم عاب على من وقف مع غير الله ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 73 إلى 74 ]

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ ( 73 ) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 74 ) قلت :
رِزْقاً
: مفعول بيملك ، فيحتمل أن يكون مصدرا ، أو اسما لما يرزق ، فإن كان مصدرا ، فشيئا مفعول به ؛ لأن المصدر ينصب المفعول ، وإن كان اسما ، فشيئا بدل منه . وجمع الضمير في
يَسْتَطِيعُونَ
، وأفرده في
يَمْلِكُ
؛ لأن
( ما )
مفردة ؛ لفظا ، واقعة على الآلهة ، فراعى أولا اللفظ ، وفي الثاني المعنى .