تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
يقول الحق جل جلاله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ
أي : كفار قريش :
ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
على رسوله محمد - عليه الصلاة والسلام - ؟
قالُوا
: هو
أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
أي : ما سطره الأولون وكتبوه من الخرافات . وكان النضر بن الحارث قد اتخذ كتب التواريخ ، ويقول : إنما يحدّث محمد بأساطير الأولين ، وحديثي أجمل من حديثه . والقائل لهم هم المقتسمون ، وتسميته ، حينئذ ، منزلا ؛ إما على وجه التهكم ، أو على الفرض والتقدير ، أي : على تقدير أنه منزل ، فهو أساطير لا تحقيق فيه . ويحتمل أن يكون القائل لهم المؤمنين ، فلا يحتاج إلى تأويل .
لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي : قالوا ذلك ؛ ليضلوا الناس ، فكان عاقبتهم أن حملوا أوزار ضلالهم كاملة ،
وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ
: وبعض أوزار ضلال من كانوا يضلونهم - وهو حصة التسبب في الوقوع في الضلال - حال كونهم
بِغَيْرِ عِلْمٍ
أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلّال . وفيه دليل على أن الجاهل في العقائد غير معذور ؛ إذ كان يجب عليه أن يبحث عن الحق وأهله ، وينظر في دلائله وحججه « 1 » . قال البيضاوي :
( بِغَيْرِ عِلْمٍ )
: حال من المفعول ؛ أي : يضلون من لا يعلم أنهم ضلّال ، وفائدتها : الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم ؛ إذ كان عليهم أن يبحثوا ، ويميزوا بين المحق والمبطل . ه . وقال المحشى : ففيه ذم تقليد المبطل ، وأن مقلده غير معذور ، بخلاف تقليد المحق الذي قام بشاهد صدقه المعجزة ، أو غير ذلك ، كدليل العقل والنقل فيما تعتبر دلالته . ه . قلت : ويجوز أن يكون حالا من الفاعل ، أي : يضلّون في حال خلوهم من العلم ، فقد جمعوا بين الضلال والإضلال . قال تعالى في شأن أهل الإضلال :
أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ
، أي : بئس شيئا يزرونه فعلهم هذا .
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي : دبروا أمورا ليمكروا بها الرسل ،
فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ
أي : قصد ما دبروه من أصله ، فهدمه ،
فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
، وصار ما دبروه ، وبنوه من المكر ، سبب هلاكهم ،
وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
؛ لا يحتسبون ولا يتوقعون ، وهو على سبيل التمثيل . وقال ابن عباس وغيره : المراد به نمرود بن كنعان ، بنى الصرح ببابل ، سمكه خمسة آلاف ذراع ؛ ليترصّد أمر السماء ، فبعث اللّه ريحا فهدمته ، فخرّ عليه وعلى قومه ، فهلكوا ، وقيل : إن جبريل عليه السّلام هدمه ، فألقى أعلاه في البحر ، وانجعف « 2 » من أسفله .
هامش
( 1 ) ما ذكر الشيخ هو كلام المعتزلة - عموما - أما كلام أهل السنة - فيما يختص بمن ثبت له عقد الإسلام - فهو إعذاره بالجهل ، وتبليغه الحجة حتى يتبين له الحق بيانا لا يغيب على مثله ، وحتى يعرف الحق ويميزه ، كما يميز الشمس . . فإن أصر على فعل الشرك أو الكفر بعد هذا فهو كافر ، لا عذر له ، يقول الشوكاني تعليقا على حديث سجود معاذ للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد - جاهلا - لغير الله ، لم يكفر » وقال في السيل الجرار : « فلا بد من شرح الصدر بالكفر ، فلا اعتبار بما يقع من طوارئ عقائد الشرك ، لا سيما مع الجهل بمخالفتها لعقائد الإسلام ، إلى غير ذلك مما قرره ابن العربي ، والقاسمي ، وابن القيم وغيرهم ، في هذه المسائل . فتأملها ؛ لأنها خطيرة جدا ، فعدم إحكام هذه الأصول يوقعنا في جحيم تكفير جهلة المسلمين . والأمر لله . ( 2 ) يقال : جعفه جعفا : قلبه وقلعه . فانجعف . انظر اللسان : ( جعف ) .