تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
الإشارة : هذه العوالم من العرش إلى الفرش كلها نصبت للآدمى ، وخلقت من أجله ، السماوات تظله ، والأرض تقله ، والحيوانات تخدمه وتنفعه ، يتصرف فيها ؛ خليفة عن الله في ملكه . فالواجب عليه شكر هذه النعم ، وألا يقف معها ، ويشتغل بها عن خدمة خالقها . يقول الحق تعالى ، في بعض كلامة بلسان الحال أو المقال : « يا ابن آدم ، خلقت الأشياء من أجلك ، وخلقتك من أجلى ، فلا تشتغل بما خلق لأجلك عمّا خلقت لأجله » . والواجب عليه أيضا من طريق الخصوص : ألا يقف مع حس أجرامها ، دون النفوذ إلى أسرار معاني خالقها ومظهرها ؛ لئلا يبقى مسجونا بمحيطاته ، محصورا في هيكل ذاته ، بل ينفذ إلى فضاء شهود بحر المعاني ، المحيط بالأوانى ، والمفنى لها ، بصحبة شيخ كامل ، يخرجه من سجن الأكوان إلى فضاء شهود المكوّن . وباللّه التوفيق . وقوله :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
: اعلم أن الحق - جل جلاله - بيّن طريق الوصول إلى نعيمه الحسى والفوز برضوانه ، وطريق الوصول إلى حضرة قدسه ومحل شهوده وعيانه ، وأرسل الرسل ببيان الطريقين . فوكل ببيان الأولى العلماء ، ووكل ببيان الثانية الأولياء . فالعلماء قاموا ببيان الشرائع الموصلة إلى نعيم الأشباح ، والأولياء العارفون قاموا ببيان الحقائق الموصلة إلى نعيم الأرواح ، وهو النعيم الأكبر ؛ قال تعالى :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
« 1 » . فالرضوان على قسمين : قوم نالهم الرضوان من طريق الخطاب مع سدل الحجاب ، وهم أهل الشرائع ، وقوم نالهم الرضوان بمكافحة الخطاب ورفع الحجاب ، وهم أهل الحقائق ، وهم المقربون ، نفعنا الله بهم ، وخرطنا في سلكهم . آمين . ثم ذكر بقية التجليات ، فقال :

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 16 ]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 ) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 12 ) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( 13 ) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 14 ) وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 )
هامش
( 1 ) من الآية 72 من سورة التوبة .