تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ
؛ جبالا رواسي أرست الأرض ؛ كراهة
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
؛ تميل وتضطرب ؛ لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة ، وكان من حقها أن تتحرك كالسفينة على البحر ، فلما خلقت الجبال تقاومت جوانبها ؛ بثقلها نحو المركز ، فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة . وقيل : لما خلق الله الأرض جعلت تمور - أي : تتحرك - فقالت الملائكة : ما يستقر أحد على ظهرها ، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال .
وَأَنْهاراً
أي : وجعل فيها أنهارا تطرد ؛ لسقى الناس والبهائم ، وسائر المنافع ، وذكره بعد الجبال ؛ لأن الغالب انفجارها منها ،
وَسُبُلًا
أي : وجعل فيها طرقا
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
لمقاصدكم ، أو لمعرفة ربكم ، بالنظر في دلالة هذه المصنوعات المتقدمة ، على صانعها .
وَ
جعل فيها
عَلاماتٍ
: معالم يستدلّ بها السابلة على معرفة الطرق ؛ من الجبال ، والمناهل ، والرياح ، وغير ذلك ،
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ
إلى الطرق بالليل ، في البراري والبحار ، والمراد بالنجم : الجنس ، بدليل قراءة : « وبالنّجم » ؛ بضمتين ؛ على الجمع . وقيل : المراد : الثريا ، والفرقدان وبنات نعش « 1 » ، والجدى . والضمير لقريش ؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة ، مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم ، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب ، وتقديم النجم ، وإقحام الضمير ؛ للتخصيص ، كأنه قيل : وبالنجم خصوصا ، هؤلاء خصوصا يهتدون ، يعنى : قريشا ، فالاعتبار بذلك ، والشكر عليهم ألزم لهم وأوجب عليهم . ه . وأصله للزمخشري . الإشارة : هو الذي أنزل من سماء الغيوب ماء ، أي : علما لدنيا تحيا به القلوب ، وتتطهر به النفوس من أدناس العيوب . لكم منه شراب ، أي : خمرة تحيا بها الأرواح ، وتغيب عن حضرة الأشباح ، ويخرج منه على الجوارح أشجار العمل ، تثمر بالأذواق ، فيه تسيمون ، أي : في أذواق العمل ترعون بنفوسكم وقلوبكم ، ثم ترحلون عنه إلى حلاوة شهود ربكم ، فمن وقف مع حلاوة العمل ، أو المقامات أو الكرامات ، بقي محجوبا عن ربه ، وعليه نبّه صاحب البردة بقوله :
وراعها ، وهي في الأعمال سائمة * وإن هي استحلت المرعى فلا تسم
وقال في الحكم : « ربما وقفت القلوب مع الأنوار ، كما حجبت النفوس بكثائف الأغيار » . وقال الششتري :
وقد تحجب الأنوار للعبد مثل ما * تبعد « 2 » من إظلام نفس حوت ضغنا .
هامش
( 1 ) الفرقدان : نجمان في السماء لا يغربان ، انظر اللسان ( فرقد ) . وبنات نعش : سبعة كواكب ، تشاهد جهة القطب الشمالي . انظر ( المعجم الوسيط / نعش ) . ( 2 ) في ديوان الششتري : تقيّد .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 115 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان