تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
لاثنان ، أو ( آخران ) : عطف على ( اثنان ) ، ( إن أنتم ) : شرط حذف جوابه ، دل عليه ما تقدم ، أي : إن سافرتم ، فأصابتكم مصيبة الموت في السفر ، فشهادة بينكم اثنان . و ( تحبسونهما ) : قال أبو علي الفارسي : هو صفة لآخران ، واعترض بين الصفة والموصوف قوله : ( إن أنتم ) إلى قوله : ( الموت ) ، ليفيدا العد ، لأن ( آخران ) من غير الملة ، إنما يجوز لضرورة الضرب في الأرض وحلول الموت في السفر . وقال الزمخشري : هو استئناف كلام ، ( إن ارتبتم ) : شرطية ، وجوابها محذوف ، دلّ عليه ( يقسمان ) ، و ( لا نشترى ) هو المقسم عليه ، وجملة الشرط معترضة بين القسم والمقسم عليه ، والتقدير : إن ارتبتم في صدقهما فأقسما باللّه لا نشترى به ، أي : بالقسم ، ثمنا قليلا من الدنيا ، و ( الأوليان ) : خبر ، فيمن قرأ بالبناء للمفعول ، أو فاعل ، فيمن قرأ بالبناء للفاعل ، ومن قرأ ( الأولين ) - تثنية أول - فبدل من الذين ، أو صفة له . قال مكي : ( هذه الآية أشكل آية في القرآن ؛ إعرابا ومعنى ) . وسبب نزولها : أن تميما الدّارىّ وعدي بن بداء - وكانا أخوين - ، خرجا إلى الشام للتجارة - وهما حينئذ نصرانيّان - ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص ، وكان مسلما ، فلمّا قدما الشام مرض بديل ، فدون ما معه في صحيفة ، وطرحها في متاعه ، وشدّ عليها ، ولم يخبرهما بها ، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ، ومات ، ففتّشاه ، وأخذا منه إناء من فضّة ، قيمته : ثلاثمائة مثقال ، منقوشا بالذهب ، فجنباه ودفعا المتاع إلى أهله ، فأصابوا الصحيفة ، فطالبوهما بالإناء ، فجحدا ، فترافعوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ
إلى قوله :
لَمِنَ الْآثِمِينَ
فحلّفهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بعد صلاة العصر ، عند المنبر ، وخلا سبيلهما ، ثم عثر بعد مدة على الإناء بمكة ، فقيل لمن وجد عنده : من أين لك هذا ؟ قال : اشتريته من تميم الداري وعدىّ بن بداء ، فرفع بنو سهم الأمر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزلت :
فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما
، فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان ، فحلفا واستحقا الإناء « 1 » . ومعنى الآية : يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
، مما نأمركم به : أن تقع
شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
، وأراد الوصية فيحضر عدلان منكم ، فإن كنتم في سفر وتعذر العدلان منكم ، فليشهد
آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ
ممن ليس على دينكم ، ثم إن وقع ارتياب في شهادتهما ،
تَحْبِسُونَهُما
بعد صلاة العصر
فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ
ما كتمنا ، ولا خنّا ، ولا نشترى بالقسم أو باللّه عرضا قليلا من الدنيا ، ولو كان المحلوف له قريبا منا ،
وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ
إِنَّا إِذاً
، إن كتمنا ،
لَمِنَ الْآثِمِينَ
.
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : ( التفسير ، سورة المائدة ) عن ابن عباس عن تميم الداري ، وقال الترمذي : ليس إسناده بصحيحه . وأخرجه مختصرا البخاري في ( الوصايا ، باب قول اللّه تعالى :يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ) عن ابن عباس قال : خرج رجل من بنى سهم مع تميم الداري وعدى بن بداء . وذكره مختصرا .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 86 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان