تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
الخضر عليه السّلام . قال الورتجبي : إن اللّه سبحانه إذا خصّ نبيا ، أو وليا ألبسه صفاته بتدريج الحال ؛ ففي كل حالة له يكسوه نورا من صفته ، فمن جملة صفاته : كيد الأزل ومكر الأبد ، فكسى علم كيده قلب يوسف ، حتى كاد برؤية كيد اللّه الأزلي ، فعرفه فيه أسرار لطف صنائعه ، وعلم حقائق أفعاله وقدرته . ه . وقوله :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
: أي : بالعلم باللّه ؛ كالكشف عن أسرار ذاته وأنوار صفاته ، والتخلق بمعاني أسمائه ، والتحقق بمقامات اليقين ، ومنازل السائرين . وهذه درجات المقربين ، وليس فوقها إلا درجة الأنبياء والمرسلين . أو بالعلم بأحكام اللّه وشرائعه ؛ كالعلم بأحكام العبادات والعادات ، وسائر المعاملات . وهذه درجات عامة أهل اليمين من العلماء الأتقياء والصالحين ، ومنتهى درجاتهم هي ابتداء درجات العارفين المقربين ، ثم الأنبياء والمرسلين .
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
، ومنتهى العلم إلى اللّه العظيم . ثم ذكر جوابهم ، فقال :

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 77 إلى 79 ]

قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ( 77 ) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 78 ) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ( 79 ) قلت : معنى الشرط والجواب : إن ثبت أن بنيامين يسرق فقد سرق أخ له ، أي : سرقته كسرقة أخيه ، و ( مكانا ) : تمييز . يقول الحق جل جلاله : قال إخوة يوسف ، لما ظهرت السرقة عليهم :
إِنْ يَسْرِقْ
بنيامين
فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ
أخوه يوسف
مِنْ قَبْلُ
، فهذا الأمر إنما صدر من ابني راحيل ، لا منا ، قصدوا بذلك رفع المضرة عن أنفسهم ، ورموا بها يوسف وشقيقه ، وهذه السرقة التي رموه بها ؛ قيل : كانت ورثت عمته من أبيها منطقة ، وكانت تخص يوسف وتحبه ، فلما شب ، أراد يعقوب انتزاعه منها ، فشدت المنطقة على وسطه ، ثم أظهرت ضياعها ، ففتّش عليها ، فوجدت مشدودة على وسطه ، فصارت أحق به في حكمهم ، وقيل : كان لجده من أمه صنم من ذهب ، فسرقه وكسره ، وألقاه في الجيف . وقيل : كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل « 1 » .
هامش
( 1 ) لم يرد نص ثابت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في تعيين المراد بالسرقة التي وصفوه بها ، فاللّه أعلم بالذي كان .