تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
ثم قال له :
وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ
؛ أي : ولعله يعرض لك في بعض الأحيان ضيق في صدرك ، فلا تتلوه عليهم مخافة
أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ
ينفقه للاستتباع كالملوك ، أو يستغنى به عن طلب المعاش ،
أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ
يشهد له ، والقصد تسليته صلّى اللّه عليه وسلّم عن قولهم ، حتى يبلغ الرسالة ولا يبالي بهم . وإنما قال :
ضائِقٌ
؛ ليدل على اتساع صدره صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقلة ضيقه في الحال .
إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ
ليس عليك إلا الإنذار بما أوحى إليك ، ولا عليك ، ردوا أو اقترحوا ، فلا يضيق صدرك بذلك .
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ
فتوكل عليه ، فإنه عالم بحالهم ومجازيهم على أقوالهم وأفعالهم .
أَمْ
؛ بل
يَقُولُونَ افْتَراهُ
أي : ما يوحى إليه ،
قُلْ
لهم :
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ
في البيان وحسن النظم . تحداهم أولا بعشر سور ، فلما عجزوا سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة . وتوحيد المثل باعتبار كل واحد .
مُفْتَرَياتٍ
؛ مختلقات من عند أنفسكم ، إن صح أنى اختلقته من عند نفسي ؛ فإنكم عرب فصحاء مثلي .
وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ
للمعاونة على المعارضة ،
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنه مفترى .
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
؛ فإن عجزوا عن الإتيان ،
فَاعْلَمُوا
أيها الرسول والمؤمنون
أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
؛ بإذنه ، أو بما لا يعلمه إلا اللّه من الغيوب . والمعنى : دوموا على إيمانكم ، وزيدوا يقينا فيه . قال البيضاوي : وجمع الضمير ؛ إما لتعظيم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو لأن المؤمنين كانوا يتحدونهم ، فكان أمر الرسول - عليه الصلاة والسلام - متناولا لهم من حيث إنه يجب اتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل . أو للتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم . ولذلك رتب عليه قوله :
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
؛ ملتبسا بما لا يعلمه إلا اللّه ، لأنه العالم والقادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره .
وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
؛ لظهور عجز آلهتهم .
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
؟ ثابتون على الإسلام ، راسخون مخلصون فيه ، إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقا . ويجوز أن يكون الكل خطابا للمشركين ، والضمير في
يَسْتَجِيبُوا
لمن استطعتم ، أي : فإن لم يستجيبوا لكم ، أي : من استعنتم به على المعارضة لعجزهم ، وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعارضة ،
فَاعْلَمُوا
أنه نظم لا يعلمه إلا اللّه وأنه منزل من عنده ، وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق ، فهل أنتم داخلون في الإسلام بعد قيام الحجة القاطعة ؟ وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ ؛ لما فيه من معنى الطلب ، والتنبيه على قيام الموجب ، وزوال العذر . ه . وقال في الوجيز : فإن لم يستجيبوا لكم ؛ من تدعون إلى المعاونة ، ولا تهيأ لكم المعارضة ، فقد قامت عليكم الحجة ،
فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ
أي : أنزل واللّه عالم بإنزاله ، وعالم أنه من عنده ،
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
؟ استفهام ، معناه الأمر ، كقوله :
فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
« 1 » . ه .
هامش
( 1 ) من الآية 91 من سورة المائدة .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 516 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان