تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
قلت : ظاهر كلامه : أن الروح لا ترجع إلى وطنها وتتصل بحضرة ربها إلا بعد خراب هذا البدن ، والحق أنها ترجع لأصلها ، وتتصل بحضرة ربها مع قيام هذا البدن ؛ إذا كمل تطهيرها وتمت تصفيتها من بقايا الحس ، وانقطع عنها علائق هذا العالم الجسماني ، فتتصل حينئذ بالعالم الروحاني ، مع قيام العالم الجسماني ، كما هو مقرر عند أهل التحقيق ، واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر حكمة إيجاد النيرين ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 5 إلى 8 ]

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 ) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ( 7 ) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 8 ) قلت : « ضياء » : مفعول ثان ، أي : ذات ضياء ، وهو مصدر كقيام ، أو جمع ضوء كسياط ، والياء منقلبة عن الواو ، وفي رواية عن ابن كثير بهمزتين في كل القرآن على القلب ، بتقديم اللام على العين ، والضمير في « قدره » للشمس والقمر ، كقوله :
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
« 1 » ، أو للقمر فقط . يقول الحق جل جلاله :
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً
أي : ذات ضوء وإشراق أصلى ،
وَالْقَمَرَ نُوراً
أي : ذا نور عارض ، مقتبس من نور الشمس عند مقابلته إياها ، ولذلك يزيد نوره وينقص ، فقد نبه سبحانه بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها ، والقمر نورا بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها ، فالنور أعم من الضياء ، والضياء أعظم من النور .
وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ
أي : قدر سير كل واحد منهما منازل ، أو القمر فقط ، وخصصه بالذكر لسرعة سيره ، ومعاينة منازله ، وإناطة أحكام الشرع به . ولذلك علله بقوله :
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
أي : حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي في معاملتكم وتصرفاتكم :
ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ
الذي تقدم من أنواع المخلوقات
إِلَّا بِالْحَقِّ
أي : ملتبسا بالحق ، مراعيا فيه مقتضى الحكمة البالغة ، لا عبثا عاريا عن الحكمة ، أو ما خلق ذلك إلا ليعرف فيها ، فما نصبت الكائنات لتراها ، بل لترى
هامش
( 1 ) من الآية 62 من سورة التوبة .