تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
ثم فسر عظمة ربوبيته ، فقال :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 3 إلى 4 ]

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 3 ) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ رَبَّكُمُ
الذي يستحق العبادة وحده هو
اللَّهُ
الذي أظهر الكائنات من العدم إلى الوجود ، وبه رد على من أنكر النبوة ، كأنه يقول : إنما أدعوكم إلى عبادة اللّه الذي خلق الأشياء ، فكيف تنكرون ذلك وهو الحق المبين ؟ ثم فصّل ذلك فقال :
الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
التي هي أصول الكائنات ،
فِي
مقدار
سِتَّةِ أَيَّامٍ
من أيام الدنيا ، ولم يكن حينئذ ليل ولا نهار ، والجمهور : أن ابتداء الخلق يوم الأحد . وفي حديث مسلم : يوم السبت ، وأنه خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك .
ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ
استواء يليق به ، كاستواء الملك على سريره ليدبر أمر مملكته ، ولذلك رتب عليه :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
، وقد تقدم الكلام عليه في الأعراف « 1 » . قال البيضاوي : يدبر أمر الكائنات على ما تقتضيه حكمته ، وسبقت به كلمته ، بتحريك أفلاكها ، وتهيئ أسبابها ، والتدبير : النظر في عواقب الأمور لتجىء محمودة العاقبة . ه .
ما مِنْ شَفِيعٍ
تقبل شفاعته
إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ
له في الشفاعة ، وهو تقرير لعظمته وعزة جلاله ، ورد على من يزعم أن آلهتهم تشفع لهم عند اللّه ، وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له ، كالأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء .
ذلِكُمُ اللَّهُ
أي : الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية هو
اللَّهُ رَبُّكُمْ
لا غير ؛ إذ لا يشاركه أحد في شئ من ذلك ،
فَاعْبُدُوهُ
: أفردوه بالعبادة
أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
أي : تتفكرون أدنى تفكر ، فتعرفون أنه المستحق للربوبية والعبادة ، لا ما تعبدونه من الأصنام .
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
بالبعث
جَمِيعاً
فيجازيكم على أعمالكم ، ويعاقبكم على شرككم ،
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا
: مصدر مؤكد لنفسه ؛ لأن قوله :
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ
وعد من اللّه .
إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
بإظهاره في الدنيا
ثُمَّ يُعِيدُهُ
بعد إهلاكه في الآخرة .
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
، تعليل للعودة ؛ وهي البعثة ،
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآية : 54 من سورة الأعراف .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 449 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان