تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 437

مساهمون:

ص٤٣٧
قلت : في « كاد » ضمير الشأن ، أو يرتفع بها قلوب . يقول الحق جل جلاله :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ
أي : برأه وطهره من الذنوب ، كقوله :
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ
« 1 » ،
وَ
تاب على
الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ
مما عسى أن يكون ارتكبوه ؛ إذ لا يخلو العبد من ذنب أو عيب . وقيل : هو حض على التوبة ، وإظهار لفضلها ، بأنها مقام الأنبياء والصالحين . وقيل : تاب عليهم من نقص المقامات التي ترقوا عنها ، إلى ما هو أكمل منها ، فما من أحد إلا وله مقام يستنقص بالنسبة إلى ما فوقه . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : ذكر توبة من لم يذنب ؛ لئلا يستوحش من أذنب ، لأنه ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمهاجرين والأنصار ، ولم يذنبوا ، ثم قال :
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
، فذكر من لم يذنب ؛ ليؤنس من قد أذنب ، فلو قال أولا : لقد تاب على الثلاثة لتفطرت أكبادهم . ه . ثم وصفهم بقوله :
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ
، يعنى : حين محاولة غزوة تبوك . والساعة هنا بمعنى الحين والوقت ، والعسرة : الشدة والضيق ، أي : الذين خرجوا معه وقت العسرة والضيق ، فقد كانوا في عسرة الظّهر ، يعتقب العشرة على بعير واحد ، وفي عسرة الزاد ؛ حتى قيل : إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة واحدة .
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
عن الثبات على الإيمان ، أو عن اتباع الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، لما رأوا من الشدة والضيق وشدة الحر ،
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
؛ كرره للتأكيد ، وللتنبيه على أنه تاب عليهم لأجل ما كابدوا من العسر ،
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
؛ حيث قبلهم ، وتاب عليهم ، وتاب على الثلاثة ، وهم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، تخلفوا عن غزوة تبوك من غير عذر ولا نفاق ، ولا قصد للمخالفة ، فلما رجع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عتب عليهم ، وأمر الناس ألا يكلموهم ، وأن يعتزلوا نساءهم ، فبقوا على ذلك خمسين ليلة ، ثم أنزل اللّه توبتهم . وقد وقع حديثهم في البخاري ومسلم « 2 » وكتب السير . ومعنى قوله :
الَّذِينَ خُلِّفُوا
أي : تخلفوا عن الغزو . وقال كعب بن مالك : خلفوا عن قبول العذر ، وليس بالتخلف عن الغزو ، ويقوى ذلك كونه جعل :
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ
غاية للتخلف ، أي : خلفوا عن قبول العذر ، وأخروا
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
أي : برحبها وسعتها ، وذلك لإعراض الناس
هامش
( 1 ) من الآية 2 من سورة الفتح . ( 2 ) انظر البخاري في ( تفسير سورة التوبة ، باب : قوله تعالى : ( وعلى الثلاثة ألين خلفوا . . ) ، ومسلم في ( التوبة ، حديث توبة كعب ابن مالك وصاحبيه ) .