وَخُضْتُمْ
في الباطل
كَالَّذِي خاضُوا
أي : أو كخوضهم ، أو كالخوض الذي خاضوه ، وقيل : كالذين خاضوا فيه ، فأوقع الذم على الجمع .
أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي : لم يستحقوا عليها ثوابا في الدارين ،
وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
؛ الكاملون في الخسران ، خسروا الدنيا والآخرة .
الإشارة : ينبغي لأهل الإيمان الكامل أن يتباعدوا عن أوصاف المنافقين ؛ فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويمدّون أيديهم بالعطاء والإيثار ، ويذكرون اللّه على سبيل الاستهتار ، حتى يذكرهم برحمته . ويتشبهون بمن قبلهم من الصالحين الأبرار ، فقد استمتعوا بلذيذ المناجاة ، وحلاوة المشاهدات ، وبلطائف العلوم والمكاشفات ، أولئك الذين ثبتت لهم الكرامة من اللّه في الدنيا والآخرة ، وأولئك هم الفائزون .
ثم هدد المنافقين بإهلاك من قبلهم ، فقال :
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 70 ]
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 )
يقول الحق جل جلاله ، في شأن المنافقين :
أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ
: خبر
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
، كيف دمرهم اللّه وأهلكهم ، حيث خالفوا رسلهم ،
قَوْمِ نُوحٍ
؛ أغرقهم بالطوفان ،
وَ
قوم
عادٍ
؛ أهلكهم بالريح ،
وَثَمُودَ
؛ أهلكهم بالصيحة ،
وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ
؛ أهلك نمرود ببعوض ، وأهلك أصحابه به ، أرسل عليهم سحابة من البعوض فخرطتهم ، ودخلت بعوضة في دماغه فأكلت دماغه ، حتى هلك ،
وَأَصْحابِ مَدْيَنَ
، وهم قوم شعيب ، أهلكوا بالنار يوم الظلة ،
وَالْمُؤْتَفِكاتِ
؛ مدائن قوم لوط ، ائتفكت بهم ، أي : انقلبت ، فصار عاليها سافلها ، وأمطروا حجارات من سجيل .
أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ
أي : كل واحدة منهن أتاها رسول
بِالْبَيِّناتِ
؛ بالمعجزات الواضحة ،
فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
أي : لم يكن من عادته ما يشابه ظلم الناس ، كالعقاب بلا جرم .
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
؛ حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب .
الإشارة : ينبغي للمؤمن المشفق على نفسه أن يتحرى مواطن الهلكة ، فيجتنبها بقدر الإمكان ؛ فينظر ما فعل اللّه بأهل المخالفة والمعاصي ، فيهرب منها بقدر إمكانه ، وينظر ما فعل بأهل طاعته وطاعة رسوله من النصر والعز في الدارين ، فيبادر إليها فوق ما يطيق ، ويعظم الرسل ، ومن كان على قدمهم ممن حمل الأمانة بعدهم ، ويشد يده على صحبتهم وخدمتهم ؛ فهذا يسعد سعادة الدارين . وبالله التوفيق .