قلت : قال في الأساس : ومن المجاز : نسيت الشيء : تركته ، ( نسوا اللّه فنسيهم ) . قال في المشارق : ونسي بمعنى ترك ، معناه مشهور في اللغة ، ومنه : ( نسوا اللّه فنسيهم ) أي : تركوا أمره فتركهم . وقوله : ( كالذين من قبلكم ) : خبر ، أي : أنتم كالذين ، أو مفعول بمحذوف ، أي : فعلتم مثل فعل من قبلكم .
يقول الحق جل جلاله :
الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي : متشابهة في الكفر والبعد عن الإيمان ، لا فرق بين ذكورهم وإناثهم في النفاق والكفر ، وهو نفى لأن يكونوا مؤمنين . وقيل : إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله :
إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ
وتقرير لقوله :
وَما هُمْ مِنْكُمْ
، وما بعده كالدليل عليه ، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين . وهو قوله :
يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ
؛ كالكفر والمعاصي ،
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
؛ كالإيمان والطاعة ،
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
عن الإعطاء والمبار ، وهو كناية عن البخل والشح .
نَسُوا اللَّهَ
أي : غفلوا ، أي : أغفلوا ذكره ، وتركوا طاعته ،
فَنَسِيَهُمْ
؛ فتركهم من لطفه ورحمته وفضله ،
إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ
؛ الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير .
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ
أي : المجاهرين بالكفر ،
نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
أي : مقدرين الخلود . قال ابن جزى : الأصل في الشر أن يقال : أوعد ، وإنما يقال فيه : « وعد » إذا صرح بالشر . ه .
هِيَ حَسْبُهُمْ
أي : جزاؤهم عقابا وعذابا ، وفيه دليل على عظم عذابها ،
وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ
؛ أبعدهم من رحمته ، وأهانهم ،
وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ
لا ينقطع ، وهو العذاب الذي وعدوه ، أو ما يقاسونه من تعب النفاق ، والخوف من المؤمنين .
كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
أي : أنتم كالذين من قبلكم ، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم ،
كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً
، وهو بيان لتشبيههم بهم ، وتمثيل حالهم بحالهم ،
فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ
أي :
نصيبهم من ملاذ الدنيا وحظوظها ، فأمّلوا بعيدا وبنوا مشيدا ، فرحلوا عنه وتركوه ، فلا ما كانوا أملوا أدركوا ، ولا إلى ما فاتهم رجعوا ،
فَاسْتَمْتَعْتُمْ
أنتم
بِخَلاقِكُمْ
أي : بنصيبكم مما خلق اللّه لكم وقدره لكم في الأزل ،
كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ
، ثم تركوا ذلك ورحلوا عنه ، كذلك ترحلون أنتم عنه وتتركونه .
قال البيضاوي : ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدّجة من الشهوات الفانية ، والتهائهم بها عن النظر في العاقبة ، والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيرة ؛ تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء آثارهم . ه .