ثم بيّن أن المعول على اللّه ونصرته ، لا على السلاح والآلات بقوله :
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ
، أي :
قواك بقوته الأزلية ، ونصرك بنصرته الأبدية ، ووفق المؤمنين بإعانتك على عدوك . ثم بيّن سبحانه أن نصرة المؤمنين لم تكن إلا بتأليفه بين قلوبهم ، وجمعها على محبة اللّه ومحبة رسوله ، بعد تباينها بتفرقة الهموم في أودية الامتحان ، بقوله :
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
. وقال القشيري : الإشارة بقوله :
تُرْهِبُونَ
: إلى أنه لا يجاهد على رجاء غنيمة ينالها ، أو إشفاء صدر عن قضية حقد ، بل قصده أن تكون كلمة اللّه هي العليا . ه .
ثم دلّ على الصلح لمصلحة ، فقال :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 61 إلى 63 ]
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 61 ) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 63 )
يقول الحق جل جلاله :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
أي : وإن مالوا للصلح
فَاجْنَحْ لَها
أي : فصالحهم ، ومل إلى المعاهدة معهم ، وتوكل على اللّه ؛ فلا تخف منهم أن يكونوا أبطنوا خداعا ؛ فإن اللّه يعصمك من مكرهم ؛
وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
« 1 » ،
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
لأقوالهم ،
الْعَلِيمُ
بأحوالهم .
وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ
بعد الصلح
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
أي : فحسبك اللّه وكافيك شرهم ،
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ
أي : قواك ونصرك
بِنَصْرِهِ
؛ تحقيقا ،
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
؛ تشريفا ، أو
بِنَصْرِهِ
قدرة
وَبِالْمُؤْمِنِينَ
حكمة ، والقدرة والحكمة منه وإليه ، فلا دليل عليه للمعتزلة حيث نسبوا الفعل للعبد ، وقالوا : العطف يقتضى المغايرة .
وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
مع ما كان فيها في زمن الجاهلية من المعصية والضغائن والتهالك على الانتقام ، حتى لا يكاد يأتلف فيهم قلبان ، ثم صاروا كنفس واحدة ، وهذا من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم . قال تعالى :
لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
، في إصلاح ما بينهم ،
ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ
؛ لتناهى عدواتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح
هامش
( 1 ) من الآية 42 من سورة فاطر .