يشكر ، سلب منها ولم يشعر ، والشكر : ألا يعصى اللّه بنعمه ، كما قال الجنيد رضى اللّه عنه . واللّه تعالى أعلم ومن جملة كفران النعم ، نقض العهد ، كما أبان ذلك بقوله :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 59 ]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 )
قلت : ( فهم لا يؤمنون ) : جملة معطوفة على جملة الصلة ، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعى تحقق المعطوف ، و ( الذين عاهدت ) : بدل بعض من ( الذين كفروا ) ، و ( فشرد ) : جواب ( إما ) ، والتشريد : تفريق على اضطراب .
يقول الحق جل جلاله :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ
منزلة
الَّذِينَ كَفَرُوا
، تحقق كفرهم ، وسبق به القدر ،
فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
أبدا ؛ لما سبق لهم من الشقاء . نزلت في قوم مخصوصين ، وهم بنو قريظة ،
الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ
أي : أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار ،
ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ
أي : يخونون عهدك المرة بعد المرة ، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد ، وقالوا : نسينا ، ثم عاهدهم ، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق ، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة ، فحالفوا المشركين على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم ،
وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
شؤم الغدر وتبعته ، أو : لا يتقون اللّه في ذلك الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم .
قال تعالى لنبيه عليه الصلاة السلام :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ
أي : مهما تصادفهم وتظفر بهم
فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ
أي : فرّق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم ، أو نكّل بهم
مَنْ خَلْفَهُمْ
؛ بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم ؛
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
أي : لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك .
وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ
معاهدين
خِيانَةً
أي : نقض عهد بأمارات تلوح لك ،
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ
أي :
فاطرح إليهم عهدهم
عَلى سَواءٍ
أي : على عدل وطريق قصد في العداوة ، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ ، فإنه يكون خيانة منك ، أو على سواء في العلم بنقض العهد ، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد ،
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ
أي : لا يرضى فعلهم ، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال .