تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وإنما فعل ذلك ليقطع طرفا من الكفار ، ويحد شوكتهم ،
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
أي : ليختبر المؤمنين منه اختبارا حسنا ، ليظهر شكرهم على هذه النعمة ، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة ؛ بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات ،
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لاستغائتهم ودعائهم ،
عَلِيمٌ
بنياتهم وأحوالهم .
ذلِكُمْ
أي : البلاء الحسن ، أو القتل ، أو الرمي ، واقع لا محالة ، أو الأمر ذلكم ،
وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ
أي : مضعف كيد الكافرين ، ومبطل حيلهم ، أي : المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين ، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم . الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم : فلم تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم ؛ إذ لا طاقة لكم عليها ، ولكن اللّه قتلها بالنصر والتأييد ، حتى حييت بمعرفته ، ويقول للشيخ : وما رميت القلوب بمحبتى ومعرفتي ، ولكن اللّه رمى تلك القلوب بشئ من ذلك ، وإنما أنت واسطة وسبب من الأسباب العادية ، لا تأثير لك في شئ من ذلك . حكى أن الحلاج ، لما كان محبوسا للقتل ، سأله الشبلي عن المحبة ، فقال : الغيبة عما سوى المحبوب ، ثم قال : يا شبلى ، ألست تقرأ كتاب اللّه ؟ فقال الشبلي : بلى ، فقال : قد قال اللّه لنبيه - عليه الصلاة والسلام - :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
، يا شبلى ؛ إذا رمى اللّه قلب عبده بحبّة من حبّه ، نادى عليه مدى الأزمان بلسان العتاب . ه . والمقصود بذلك : تخصيص أوليائه المقربين بالمحبة والمعرفة والتمكين ، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية المقربين . واللّه تعالى أعلم . ولما أرادت قريش الخروج إلى غزوة بدر ، تعلقوا بأستار الكعبة ، وطلبوا الفتح ، وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأهدى الفئتين ، وأكرم الحزبين ، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 19 ]

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) يقول الحق جل جلاله لكفار مكة على جهة التهكم :
إِنْ تَسْتَفْتِحُوا
أي : تطلبوا الفتح ، أي : الحكم على أهدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين ،
فَقَدْ جاءَكُمُ
الحكم كما طلبتم ، فقد نصر اللّه أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين ، وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وحزبه ،
وَإِنْ تَنْتَهُوا
عن الكفر ومعاداة الرسول ،
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
؛ لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين ،
وَإِنْ تَعُودُوا
لمحاربته
نَعُدْ
لنصره ،
وَلَنْ تُغْنِيَ
؛ تدفع
عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ
؛ جماعتكم
شَيْئاً
من المضار
وَلَوْ كَثُرَتْ
فئتكم ، إذ العبرة بالنصرة لا بالكثرة ،
وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ
بالنصر والمعونة .