تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
ثم نهى عن الفرار في الحرب ، فقال :

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 15 إلى 16 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ ( 15 ) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 16 ) قلت : ( زحفا ) : مصدر ، وزحف الصبى إذا دب على مقعده قليلا قليلا ، سمى به الجيش المقابل للقتال ؛ لأنه يندفع للقتال شيئا فشيئا ، ونصبه على الحال من فاعل « لقيتم » ، أو « من الذين كفروا » ، و ( متحرفا ) و ( متحيزا ) : حالان ، و ( إلا ) ملغاة ، ووزن متحيز : متفيعل ، لا متفعل ، وإلا لكان متحوزا ؛ لأنه من حاز يحوز . يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
زاحفين لهم ، تدبون إليهم ويدبون إليكم ، تريدون قتالهم متوجهين إليهم ،
فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ
بالانهزام عنهم ، فإنه حرام ، وهو من الكبائر ، ويفيد بألا يكون الكفار أكثر من ثلثي المسلمين ، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حلّ الفرار ، وأن يكون المسلمون مسلحين ، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه ،
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ
، وهو أن يكرّ راجعا أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه ، وهو من مكائد الحرب ،
أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
أي : منحازا إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب ، أو قريبة ، فالتحيز إليها جائز باتفاق ، واختلف في التحيز إلى المدينة والإمام والجماعة إذا لم يكن شئ من ذلك حاضرا . ويروى عن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أنه قال : أنا فئة لكل مسلم . وروى عن ابن عمر : أنه كان في سرية بعثهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ففرّوا إلى المدينة ، فقلت : يا رسول اللّه ، نحن الفرّارون ، فقال : « أنتم الكرّارون ، وأنا فئتكم » « 1 » . فمن فرّ من الجهاد بالشرط المتقدم
فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر . قال البيضاوي : وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف ، لقوله :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ . . .
« 2 » الآية ، وقيل : الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب . ه . الإشارة : يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة : إذا لقيتم أعداءكم من القواطع ؛ كالحظوظ ، والشهوات ، وسائر العلائق ، فاثبتوا حتى تظفروا ، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم ، إلا متحرفا
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند ( 2 / 70 ) وأبو داود في ( الجهاد - باب في التولي يوم الزحف ) والترمذي وحسنه في ( الجهاد - باب ما جاء في الفرار يوم الزحف ) . ( 2 ) الآية 66 من سورة الأنفال .