قلت : ( جهد ) : مصدر لعامل محذوف ، أي : واجتهدوا جهد أيمانهم ، وهو حال ، أي : وأقسموا جاهدين أيمانهم ، ومن قرأ : ( أنها ) ؛ بالفتح ، فهو مفعول بيشعركم ، أي : وما يدريكم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون ، وقيل : ( لا ) :
مزيدة ، أي : وما يدريكم أنهم لا يؤمنون إذا رأوها ، وقيل : أن ، هنا ، بمعنى لعل . ومن قرأ بالكسر فهو استئناف ، وتم الكلام في قوله : ( وما يشعركم ) أي : وما يشعركم ما يكون منهم ، فعلى القراءة بالكسر ، يوقف على : ( ما يشعركم ) ، وأما على القراءة بالفتح ، فإن كانت أنّ - مصدرية لم يوقف عليه ؛ لأنه عامل فيها ، وإن كانت بمعنى : لعل ، فأجاز بعض الناس الوقف ، ومنعه بعضهم .
يقول الحق جل جلاله :
وَأَقْسَمُوا
أي : المشركون ،
بِاللَّهِ
واجتهدوا في أيمانهم ،
لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ
ظاهرة يشاهدونها ،
لَيُؤْمِنُنَّ بِها
وبمن جاء بها ،
قُلْ
لهم :
إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ
وفي قدرته وإرادته ، يظهرها حيث شاء ، وليس في قدرتى منها شئ ،
وَما يُشْعِرُكُمْ
أي : وما يدريكم أيها المؤمنون ،
أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
بها ، لما سبق لهم من الشقاء ، وقد كان المؤمنون يتمنّون إنزالها طمعا في إيمانهم ، وفيه تنبيه على أنه تعالى إنما لم ينزلها ؛ لعلمه بأنها
إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
بها . وقيل : الخطاب للمشركين ، ويتأتى هذا على كسر « إن » ، أو على قراءة ابن عامر وحمزة : لا تؤمنون ؛ بتاء الخطاب ، وقرىء : وما يشعرهم بالغيبة ، فيكون إنكارا لهم على حلفهم .
ثم ذكر سبب عدم إيمانهم فقال :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ
عند نزول الآية ، أي : نصرف قلوبهم ونحولها عن الحق ، فلا يفقهون بها ، ونقلب أبصارهم عن النظر والتفكر ، فلا يبصرون بها الحق ، فيصرفون عن الإيمان بما أنزل إليك
كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ
أي : بما أنزل من الآيات ،
أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ
أي :
في كفرهم وجحدهم
يَعْمَهُونَ
أي : يتحيرون ، فلا نهديهم هداية المؤمنين .
الإشارة : سألني بعض العوام ، فقال لي : ليس لكم ولا لأصحابكم كرامات تظهر فيمن آذاكم ، فقد كان أصحاب سيدي فلان وفلان يظهرون الكرامات ، وينفذون في من آذاهم ؟ ! فقلت له : نحن على قدم نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، أرسله اللّه رحمة للعالمين ، فقد أوذى وضرب ، فلما خيّره ملك الجبال في أن يطبق عليهم الأخشبين - أي الجبلين - قال : « لا ، لعل اللّه تعالى يخرج منهم من يعبد اللّه » ، وقال حين أكثروا إيذاءه : « اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » ، فالأولياء المحققون : رحمة للعباد ، يتحملون أذاهم ، ويتوجهون لمن آذاهم في الدعاء له بالهداية والتوفيق ، فهم قوم لا يشقى جليسهم ، جالسهم بالإنكار أو بالإقرار ، وقد ظهرت الكرامات على بعض الأولياء ولم ينقطع عنهم الإنكار ، فإنّ الإيمان أو التصديق بالنبي أو الولي إنما هو محض هداية من الكبير العلى ، كما بيّن ذلك بقوله :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 )