تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وقوله تعالى :
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
، قال الورتجبي : هو بلطف ذاته ممتنع عن مطالعة خلقه ، مع علو شأن علمه وإحاطته بجميعهم ، وجودا وعدما ، أي : وإنما يرى بنوره ، لا بالحواس الخفاشية ، فإنها تضعف عن مقاومة شعاعه ، وتنخنس عند انكشاف سبحانه . ه . على نقل الحاشية الفاسية . والله تعالى أعلم . ولمّا كان الاطلاع على هذه الأسرار ، به تنفتح البصائر ، أشار إلى ذلك بقوله :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 104 ]

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) قلت : البصائر : جمع بصيرة ، وهي عين القلب ، كما أن البصر عين البدن ، فالبصيرة ترى المعاني القديمة ، والبصر يرى الحسيات الحادثة . يقول الحق جل جلاله :
قَدْ جاءَكُمْ
أيها الناس
بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
أي : براهين توحيده ، ودلائل معرفته ، حاصلة من ربكم ، تنفتح بها البصائر ، وتبصر بها أنوار قدسه ،
فَمَنْ أَبْصَرَ
الحق ، وآمن به ، واستعمل الفكر فيه حتى عرفه ،
فَلِنَفْسِهِ
أبصر ، ولها نفع ،
وَمَنْ عَمِيَ
عنها ، ولم يرفع بها رأسا ، وضل عن الحق ،
فَعَلَيْها
وباله وضرره ، ولا يتضرر بها غيره ،
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
أرقب أعمالكم وأجازيكم ، وإنما أنا منذر ، واللّه هو الحفيظ عليكم ، يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها . الإشارة : البصيرة كالبصر ، أدنى شئ يقع فيها يضرّ بناظرها ، وهي على أقسام : منها ما تكون عمياء ، والعياذ بالله ، وهي التي فسد ناظرها بفساد الاعتقاد ، كبصيرة الكفار ومن قاربهم ، ومنها ما تكون مريضة فقط ، لا تقاوم شعاع شمس التوحيد الخاص ، وهي بصيرة أهل الغفلة ، ومنها ما يخف مرضها فيكون لها شعاع ، تدرك قرب نور الحق منها ؛ وهي بصيرة المتوجهين من العباد والزهاد ونهاية الصالحين . ومنها ما تكون قريبة البرء والصحة ، قد انفتحت ، لكنها حيرى ؛ لما فاجأها من النور ، وهي بصيرة المريدين السائرين من أهل الفناء ، ومنها ما تكون صحيحة قوية ، قد تمكنت من شهود الأنوار ، ورسخت في بحر الأسرار ، وهي بصيرة العارفين المتمكنين في مقام البقاء ، وقد أشار في الحكم إلى الثلاثة فقال : « شعاع البصيرة يشهدك قرب الحق منك ، وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده ، وحق البصيرة يشهدك وجود الحق لاعدمك ولا وجودك ، كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » . وذكر هذه الآيات ، سبب لضلال أهل الشقاء وهداية أهل العناية ، كما بيّن ذلك بقوله :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 105 ]

وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 105 )