تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
علمه أو حاله بانقطاع نسله الروحاني ، ولا شك في فضل بقاء النسل الحسى أو المعنوي ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : « إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به » . وشمل الولد البشرى والروحاني ، وقال عليه الصلاة والسلام لسيدنا على - كرم اللّه وجهه - : « لأن يهدى اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » . وقال بعض الشعراء « 1 » :
والمرء في ميزانه أتباعه * فاقدر إذن قدر النبي محمّد
وقد سلك هذا المسلك القطب ابن مشيش في طلب الولد الروحاني ، حيث قال في تصليته المشهورة : ( اسمع ندائي بما سمعت به نداء عبدك زكريا ) ، فأجابه الحق تعالى بشيخ المشايخ القطب الشاذلي . وغير واحد من الأولياء دخل محراب الحضرة ، ونادى نداء خفيا في صلاة الفكرة ، فأجابته الهواتف في الحال ، بلسان الحال أو المقال : إن اللّه يبشرك بمن يحيى علمك ويرث حالك ، مصدقا بكلمة من اللّه ، وهم أولياء اللّه ، وسيدا وحصورا عن شواغل الحس ، مستغرقا في مشاهدة القرب والأنس ، ينبئ بعلم الغيوب ، ويصلح خلل القلوب ، فإذا استعظم ذلك واستغربه ، قيل له : الأمر كذلك ، ( اللّه يفعل ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ) ، فحسبك الاشتغال بذكر اللّه ، والغيبة عما سواه . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم ذكر اصطفائية مريم بالخصوص بعد العموم فقال :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 42 إلى 43 ]

وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) يقول الحق جل جلاله : واذكر
إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
أي : جبريل ، أو جماعة ، كلمتها شفاها ؛ كرامة لها . وفيه إثبات كرامة الأولياء ، وليست نبية ؛ للإجماع على أنه تعالى لم يستنبئ امرأة ؛ لقوله :
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ
فقالوا لها :
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ
لخدمة بيته ، ولم يقبل قبلك أنثى قط ، وفرغك لعبادته ، وأغناك برزقه عن رزق غيره ،
وَطَهَّرَكِ
من الأخلاق الذميمة ، ومما يستقذر من النساء ،
وَاصْطَفاكِ
ثانيا بهدايته لك ، وتخصيصك بتكليم الملائكة ، وبالبشارة بالولد من غير أب ، فقد اصطفاك
عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
. « 2 »
هامش
( 1 ) وهو الشيخ البوصيري . ( 2 ) انظر في مسألة نبوة مريم : فتح الباري 6 / 542 .