تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
مجيب ،
فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ
، وهو جبريل ، لأنه رئيس الملائكة ، والعرب تنادى الرئيس بلفظ الجمع ؛ إذ لا يخلو من أصحاب ،
وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ
روى : أنه كان قائما يصلى في محرابه ، فدخل عليه شاب ، عليه ثياب بيض ، ففزع منه ، فناداه ، وقال له :
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
، سمى به ؛ لأن اللّه تعالى أحيا به عقم أمه ، أو لأن اللّه تعالى أحيا قلبه بمعرفته ، فلم يهم بمعصية قط ، أو لأنه استشهد ، والشهداء أحياء .
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
وهو عيسى ، لأنه كان بكلمة : كن ، من غير سبب عادى ،
وَسَيِّداً
أي : يسود قومه ويفوقهم ،
وَحَصُوراً
، أي : مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي . روى أنه مرّ في صباه على صبيان ، فدعوه إلى اللعب ، فقال : ما للعب خلقت . أو عنينا ، روى : « أنه كان له ذكر كالقذاة » رواه ابن عباس . وقال في الأساس : ( رجل حصور : لا يرغب في النساء ) . قيل : كان ذلك فضيلة في تلك الشريعة ، بخلاف شريعة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم وفي الورتجبي : الحصور : الذي يملك ولا يملك . وقال القشيري :
حَصُوراً
: أي : معتقا من الشهوات ، مكفيا أحكام البشرية ، مع كونه من جملة البشر ،
وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
الذين صلحوا للنبوة وتأهلوا للحضرة . ولما سمع البشارة هزّه الفرح فقال : يا
رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ
أي : من أين يكون لي غلام ؟ ! قاله استعظاما أو تعجبا أو استفهاما عن كيفية حدوثه . هل مع كبر السن والعقم ، أو مع زوالهما .
وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ
، وكان له تسع وتسعون سنة ، وقيل : مائة وعشرون ،
وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
لا تلد ، ولم يقل : عاقرة ، لأنه وصف خاص بالنساء . قال له جبريل :
كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
من العجائب والخوارق ، فيخلق الولد من العاقر والشيخ الفاني ، أو الأمر كذلك ، أي : كما أخبرتك ، ثم استأنف :
اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
. ولما تحقق بالبشارة طلب العلامة ، فقال :
رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أعرف بها حمل المرأة ، لأستقبله بالبشاشة والشكر ،
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
أي : لا تقدر على كلام الناس ثلاثا ، فحبس لسانه عن الكلام دون الذكر والشكر ، ليخلص المدة للذكر والشكر ،
إِلَّا رَمْزاً
بيد أو رأس أو حاجب أو عين .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً
في هذه المدة التي حبست فيها عن الكلام ، وهو يبين الغرض من الحبس عن الكلام . وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار .
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ
أي : من الزوال إلى الغروب ، أو من العصر إلى جزء الليل ،
وَالْإِبْكارِ
؛ من الفجر إلى الضحى ، وقيل : كانت صلاتهم ركعتين في الفجر وركعتين في المغرب ، ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية الأخرى :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
. واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الأصلاب الروحانية كالأصلاب الجسمانية ، منها ما تكون عقيمة مع كمالها ، ومنها ما تكون لها ولد أو ولدان ، ومنها ما تكون لها أولاد كثيرة ، ويؤخذ من قضية السيد زكريا عليه السّلام : طلب الولد ؛ إذا خاف الولي اندراس