تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
جملتين ، وهي استدراكية ، و
عَلى حُبِّهِ
حال من المال ، و
الصَّابِرِينَ
نصب على المدح ، ولم يعطفه بالرفع لفضل الصبر وشرفه . يقول الحق جل جلاله في الرد على أهل الكتاب :
لَيْسَ الْبِرَّ
محصورا في شأن القبلة ،
وَلكِنَّ الْبِرَّ
الذي ينبغي أن يعتنى بشأنه هو الإيمان باللّه ، وما يجب له من الكمالات ، وباليوم الآخر وما بعده ، وبالملائكة وما يجب أن يعتقد في شأنهم ، والكتاب المنزل من السماء كالقرآن وغيره ، و
النَّبِيِّينَ
وما يجب لهم وما يستحيل في حقهم . فالبر هو بر من اعتقد في قلبه هذه الأشياء ، وأظهر على جوارحه ما يصدق صحة اعتقادها ، وذلك كالاتصاف بالسخاء والكرم ، فأعطى المال على محبته له ، أي : مع حبه ، فقد سئل - عليه الصلاة والسلام - : « أىّ الصّدقة أفضل ؟ فقال : أن تتصدّق وأنت صحيح شحيح ، تأمل الغنى وتخشى الفقر » .
وَآتَى الْمالَ
على حب اللّه ، لا جزاء ولا شكورا ، فأعطى ذلك المال ذوى قرابته المحاويج ، وقدّمهم لقوله - عليه الصلاة والسلام - : « صدقتك على المساكين صدقة ، وعلى ذوى القربى اثنتان ؛ صدقة وصلة » . وأعطى
الْيَتامى
لإهمالهم ، وأعطى
الْمَساكِينَ
الذين أسكنهم الفقر في بيوتهم ،
وَابْنَ السَّبِيلِ
وهو المسافر الغريب ، كأن الطريق ولدته ، أو الضيف
وَالسَّائِلِينَ
ألجأتهم الحاجة إلى السؤال . وفي الحديث : « أعط السائل ولو على فرسه » . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : « هدية اللّه إلى المؤمن السائل على بابه » . وأعطى في فكّ
الرِّقابِ
من الرق أو الأسر .
وَأَقامَ الصَّلاةَ
المفروضة ،
وَآتَى الزَّكاةَ
المعلومة . ومن أهل البر أيضا :
الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ
فيما بينهم وبين اللّه ، وفيما بينهم وبين الناس
إِذا عاهَدُوا
اللّه أو عباده ، فإذا وعدوا أنجزوا ، وإذا حلفوا أو نذروا أوفوا ، وإذا قالوا صدقوا ، وإذا ائتمنوا أدّوا ، وأخصّ من أهل البر
الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ
كالفقر والذل وإذاية الخلق ، و
الضَّرَّاءِ
كالمرض والزّمانة « 1 » ، أو ( البأساء ) : الأهوال ، و ( الضراء ) في الأنفس ، والصابرين
حِينَ الْبَأْسِ
أي : الحرب والجهاد ،
أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا
في طلب الحق ،
وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
لكل ما يقطع عن الحق ، أو يشغل عنه . فقد اشتملت هذه الآية على كمالات الإنسان بأسرها ؛ لاشتمالها على ما يزين البواطن من الاعتقادات وما يزين الظواهر من المعاملات ، وما يزكّى النفوس من الرذائل ويحليها بالمحاسن والكمالات . ولذلك
هامش
( 1 ) الزمانة : مرض يدوم .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 206 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان