تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
يقول الحق جل جلاله في رؤساء اليهود وعلمائهم ، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والخراج ، ويدّعون أن النبي المبعوث منهم ، فلما بعث نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم خافوا ذهاب مأكلتهم ورئاستهم ، فأنزل اللّه :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ
في التوراة من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويحرفونها في المعنى وينزعونها
مِنَ الْكِتابِ
أي : التوراة ،
وَيَشْتَرُونَ
بذلك التحريف
ثَمَناً قَلِيلًا
أي : عوضا حقيرا يذهب ويفنى في زمان قليل ،
أُولئِكَ
الذين يكتمون ويأكلون ذلك العوض الحقير -
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
إلا نار جهنم ؛ لأنها مآلهم وعقوبة أكلهم ،
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
إهانة وغضبا عليهم حين يكلم أولياءه ويسلم عليهم ،
وَلا يُزَكِّيهِمْ
أي : لا يطهرهم من دنس ذنوبهم حتى يتأهلوا للحضرة ،
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
موجع .
أُولئِكَ الَّذِينَ
استبدلوا
الضَّلالَةَ بِالْهُدى
أي : باعوا الهدى واشتروا به الضلالة ، واستبدلوا
الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ
التي كانت لهم لو آمنوا وبيّنوا ، فما أجرأهم على اقتحام النار باقتحام أسبابها ، أو فما أبقاهم في النار ، أو ما الذي أصبرهم على النار حتى تركوا الحق ومالوا إلى الباطل ؟ ! استفهام توبيخى .
ذلِكَ
العذاب الذي استحقوه وتجرءوا عليه بسبب أن
اللَّهَ
تعالى
نَزَّلَ الْكِتابَ
القرآن ملتبسا
بِالْحَقِّ
، فاختلفوا فيه ؛ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ،
وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
أي : لفى خلاف وضلال بعيد . الإشارة : كل من كتم علمه ، ولم ينشره إلا في مقابلة حظ دنيوي ، صدق عليه قوله تعالى :
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
. روى أن بعض الصحابة كان يقرئ أهل الصّفّة ، فأهدى له أحدهم قوسا ، فأتى به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : يا رسول اللّه : كنت أعلم أهل الصفة فأهدى لي فلان قوسا ، وقال : هو للّه ، فقال له - عليه الصلاة والسلام - : « لقد تقلدت قوسا من نار جهنم » . أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأمره بردّه . ولعل هذا من باب الورع ، فأراد عليه السّلام أن يرفع همة ذلك الصحابي ، وإلا فقد ورد في الحديث : « أحقّ ما أخذتم عليه الأجر كتاب اللّه » . فمن ملكته نفسه ، وأسره الهوى ، فقد اشترى الضلالة بالهدى ، اشترى الضلالة عن طريق أولياء اللّه ، بالهدى الذي كان له لو ملك نفسه وهواه ، وعذاب القطيعة والحجاب ، بالمغفرة والدخول مع الأحباب ، فما أصبرهم على غم الحجاب وسوء الحساب ، سبب ذلك اختلاف قلبه ، وتفريق همه ولبّه ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام - : « اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا » . أو كما قال .
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 204 | أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى / احمد عبد الله القرشي رسلان