تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
فلا يقلع الهوى من قلوبهم إلا بسابق العناية ، أو هبوب ريح الهداية ، فتثير في قلوبهم خوفا مزعجا ، أو شوقا مقلقا ، أو نورا خارقا
وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ *
. ولما فرغ من تذكير الكفار وتخويفهم ذكّر المؤمنين ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 172 إلى 173 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 172 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 173 ) قلت : أصل اضطرّ : أضترر ، على وزن افتعل ، من الضرر ، أبدلت التاء طاء لقرب مخرج التاء من الطاء ، قال في الألفية : طاتا افتعال ردّ إثر مطبق ثم أدغمت الراء في الراء بعد ذهاب حركتها ، وقرأ أبو جعفر : بكسر الطاء حيث وقع . ووجهه : نقل حركة الراء إلى الطاء ، وأصل البغي : قصد الفساد ، يقال : بغى الجرح بغيا ، إذا ترامى إلى الفساد ، ومنه قيل للزنا : بغاء ، وللزانية : بغى ، وأصل العدوان : الظلم ومجاوزة الحد ، يقال : عدا يعدو عدوانا وعدوا . يقول الحق جل جلاله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا
من لذيذ
طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ
وقفوا عندما حلّ لكم ولا تحرموا برأيكم ما أحللنا لكم ، كما فعل من سلف قبلكم ،
وَاشْكُرُوا
نعمة اللّه عليكم الظاهرة والباطنة
إِنْ كُنْتُمْ
تخصّونه بعبادتكم ، فقد أحللنا لكم جميع ما خلقنا لكم على وجه الأرض التي تقلكم .
إِنَّما
حرمنا
عَلَيْكُمُ
ما فيه ضرركم كالميتة لخبثها ،
وَالدَّمَ
لأنه يقسى قلوبكم ،
وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ
لأنه يورث عدم الغيرة ، وما ذكر عليه غير اسم اللّه ، وهو الذي
أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
أي : رفع الصوت عند ذبحه لغير اللّه ، وهو الصنم
فَمَنِ اضْطُرَّ
وألجئ إلى شئ من هذه المحرمات ،
غَيْرَ باغٍ
أي : ظالم بأكلها اختيارا ،
وَلا عادٍ
متعدّ يتعدى الحلال إلى الحرام ، فيأكلها وهو غنى عنها
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
، أو
غَيْرَ باغٍ
غير قاطع للطريق ،
وَلا عادٍ
: مفارق للأمة خارج عن الجماعة ، فمن خرج يقطع الرحم ، أو يخيف ابن السبيل ، أو يفسد في الأرض ، أو أبق من سيده ، أو فرّ من غريمه أو عاصيا بسفره ، واضطر إلى شئ من هذه ، فلا تحلّ له حتى يتوب ويأكل ،
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
. وقال سهل بن عبد اللّه :
غَيْرَ باغٍ
: غير مفارق للجماعة
وَلا عادٍ
: مبتدع مخالف للسنة ، فلم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات .