تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وقلت في تائيتى الخمرية في وصف الخمرة الأزلية :
تنزّهت عن حكم الحلول في وصفها * فليس لها في سوى شكله حلّت
تجلّت عروسا في مرائي جمالها * وأرخت ستور الكبرياء بعزّة
فما ظهر في الكون غير بهائها * وما احتجبت إلا لحجب سريرة
ولما قالت اليهود : عزيز ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، وقالت المشركون : الملائكة بنات الله ، ردّ الله تعالى عليهم بقوله :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 116 إلى 117 ]

وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 117 ) قلت : هذه الجملة معطوفة على قوله :
وَقالَتِ الْيَهُودُ . . .
إلخ ، ومن قرأ بغير واو جعلها مستأنفة ، و ( بديع ) : بمعنى مبدع ، والإبداع : اختراع الشيء من غير تقدم شئ . وقوله : ( كن فيكون ) ، قدّره سيبويه : فهو يكون ، وقرأ ابن عامر بنصب المضارع ، ولحنه بعضهم ؛ لأن المنصوب في جواب الأمر لا بد أن يصلح جوابا لشرطه ، تقول : اضرب زيدا فيستقيم ، أي : إن تضربه يستقيم ، ولا يصلح أن تقول هنا : إن يكن يكن ، وقد يجاب بحمله على المعنى ، والتقدير : إن قلت كن يكن . يقول الحق جل جلاله : وقالت اليهود والنصارى والمشركون :
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
تعالى الله عن قولهم ، وتنزه عن ذلك ؛ لأنه يقتضى الجنسية والمشابهة والاحتياج ، والحق منزّه عن ذلك . بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرضين السبع ملكه وعبيده ، فكيف يكون العبد ولدا لمالكه ؟ . وأيضا كل ما ظهر في الوجود كله قانت ، أي : خاضع ومطيع لله ، وعابد له ، ومقهور تحت حكمه ومشيئته ، وذلك مناف لحال البنوة . وأيضا : كل ما دخل عالم التكوين فهو مبدع ومخترع لله ، ومصنوع من مصنوعات الله ، فلا يصح أن يكون ولدا ، وأيضا : الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ومهلة ، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون ، بل أسرع من لحظ العيون ، فإذا
قَضى أَمْراً
أي : أراده ،
فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
، ولا يتوقف على لفظة
كُنْ
، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار .