تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
من لم يكن فانيا عن حظّه * وعن الفنا والأنس بالأحباب
فلأنّه بين المنازل واقف * لمنال حظّ أو لحسن مآب « 1 »
ويقول أيضا للأقوياء الذين قتلوا أنفسهم وخرجوا عن عوائدهم : وإن يأتوكم أسارى في أيدي نفوسهم وعوائدهم ، أو في طلب الدنيا وشهواتها ، تفدوهم من أسرهم ، وتفكوهم من قيودهم ، وتدخلوهم في حضرة مولاهم ، وفي بعض الآثار : ( طالب الدنيا أسير ، وطالب الآخرة أجير ، وطالب الحق أمير ) ه . والأمير هو الذي يفك الأسارى من أيدي العدو ، لأجل ما ملكه اللّه من القوة والاستعداد ، فإذا انفك العبد من هواه ، دخل في حضرة مولاه ، فمن رام إخراجه منها بعد دخوله يقال له : وهو محرم عليكم إخراجهم ، فكيف تؤمنون بظاهر الشريعة وتنكرون علم الطريقة ، وأنوار الحقيقة ؟ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا وهو الحرص والطمع ، والخوف والجزع وطول الأمل ، وعدم النهوض إلى العمل ، ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) ، وهو غم الحجاب وسوء الحساب ، ( وما اللّه بغافل عما يعملون ) . ثم بيّن الحق تعالى وصفهم وذكر ما أعد لهم ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 86 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) يقول الحق جل جلاله :
أُولئِكَ
الناقضون للعهود المتعدون الحدود
اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا
وزخارفها الغرارة
بِالْآخِرَةِ
الباقية الدائمة ،
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
ساعة في الدنيا بالذل والهوان ، وفي الآخرة بدخول النيران ،
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
بالامتناع منه في كل أوان . الإشارة : أولئك الذين نظروا إلى غرة ظاهر الأكوان ، ولم ينفذوا إلى عبرة باطنها ، فلا ينقطع عنهم عذاب الوهم والحجاب ، ولا هم ينصرون من أليم العذاب . ثم وبّخهم الحق تعالى على تكذيب الرسل وقتلهم إياهم ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 87 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 )
هامش
( 1 ) نسبهما الطوسي في اللمع لأبى على الروذباري .