تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
قوله تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً
، من اقتنى حب الدنيا أحاطت به أشغالها وعلائقها ، فهو في نار القطيعة مقيم ، أحاط به سرادق الهموم والأكدار ، تلدغه عقارب الشكوك والأغيار ، بخلاف من أشرقت عليه أنوار الإيمان ، وصحب أهل الشهود والعيان ، فإنه في روح وريحان وجنة ورضوان ، متعنا اللّه بذلك في الدارين . آمين . ثم قرّعهم على نقض العهد الذي أخذ عليهم ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 83 ]

وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ( 83 ) قلت : ( لا تعبدون ) : خبر في معنى النهى ، كقوله تعالى :
وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ
، وهو أبلغ من صريح النهى ، لما فيه من إيهام أن المنهي سارع إلى الانتهاء ، وقيل : حذفت « أن » ، وارتفع المضارع ، وهو على حذف القول ، أي : وقلنا لهم : لا تعبدون ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالغيب . يقول الحق جل جلاله : واذكروا إذ أخذنا الميثاق على بني إسرائيل وقلنا لهم : لا يتصور منكم شرك معي ولا ميل إلى غيرى ، فلا تعبدوا إلا إياي ، وأحسنوا
بِالْوالِدَيْنِ
إحسانا كاملا ، وأحسنوا
بِذِي الْقُرْبى
نسبا ودينا ، وأحسنوا باليتامى
وَالْمَساكِينِ
، بالمواساة والملاطفة ،
وَقُولُوا لِلنَّاسِ
قولا
حُسْناً
أو ذا حسن ، وهو ما لا لغو فيه ، ولا تأثيم بل ما فيه نصح وإرشاد ،
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
بإتقان شروطها وكمال آدابها ، وأدوا
الزَّكاةَ
لمستحقها ،
ثُمَّ
بعد ذلك
تَوَلَّيْتُمْ
، وأعرضتم
إِلَّا قَلِيلًا
ممن أسلم
مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ
عن الحق بعد ظهوره . ذكر الحق تعالى في هذا العهد أربعة أعمال : عمل خاص بالقلب ، وهو التوحيد ، وعمل خاص بالبدن ، وهو الصلاة ، وعمل خاص بالمال ، وهو الزكاة ، وعمل عام وهو الإحسان ، ورتّبها باعتبار الأهم فالأهم ، فقدّم الوالدين لتأكيد حقهما الأعظم ، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم ، ثم اليتامى لقلة حيلتهم ، ثم المساكين لضعفهم ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كل عهد أخذ على بني إسرائيل يؤخذ مثله على الأمة المحمدية ، وهذا حكمة ذكر قصصهم لنا ، وسرد مساوئهم علينا ؛ لنتحرز من الوقوع فيما وقعوا فيه ، فنهلك « 1 » كما هلكوا ، وكل عهد أخذ على العموم باعتبار
هامش
( 1 ) في الأصول : فنهلكوا .