قلت : وقد كان شيخنا يرسل لنا البطاقات في حال البدايات ، فما كنت أفتحها حتى ترتعد نفسي مما فيها ، لأنها تعلم أنه ما يرسل لها إلا ما فيه موتها ، فلو لا فضل اللّه علينا ورحمته - حتى قوانا على العمل بما فيها - لكنا من الخاسرين ، ولقد أخطأت العناية قوما ، فتعدوا حدود الشيوخ ، أو خرجوا عن دائرتهم قبل كمال تربيتهم ، فمسخت قلوبهم ، وانمحت من ديوان الولاية رسومهم ، جعل اللّه ذلك عبرة لغيرهم ، وزاجرا لمن حذا حذوهم ، نعوذ باللّه من السلب بعد العطاء ، وكفران النعم وحرمان الرضى ، وباللّه التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق .
ثم وبّخهم بما فعل أسلافهم من قتل النفس والتشغيب على نبيهم ، فقال :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 67 إلى 71 ]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 67 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ( 68 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( 69 ) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ( 70 ) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ( 71 )
قلت : الفارض : المسنة التي لا تلد ، يقال : فرضت البقرة تفرض فروضا ، إذا أسنت . والبكر : الصغيرة التي لم تلد ، العوان : المتوسطة بين المسنة والصغيرة ، والفاقع : الناصع الصفرة ، يقال : أصفر فاقع ، وأسود حالك : أي :
شديد السواد . وأصل شية : وشية ، كعدة ، حذفت فاؤها وعوض عنها التاء ، والوشي : الرقم .
يقول الحق جل جلاله : واذكروا يا بني إسرائيل حين
قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
لما تخاصموا إليه في قتيل وجد في قرية ولم يدر قاتله ، وذلك أن رجلا فقيرا من بني إسرائيل قتل قريبا له كان موسرا ليرثه ، ثم رماه في قرية أخرى ، ثم ذهب يطلب دمه ، فترافعوا إلى موسى عليه السّلام فقال لهم بوحي :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً
، وأبهم الأمر عليهم ،
قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً
أي : مهزوءا بنا ، حيث نسألك عن بيان القاتل وأنت تأمرنا أن نذبح « 1 » بقرة ، وهذا من تعنتهم وسوء أدبهم .
قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
؛ إذ لا يستهزئ بأمر الدين إلا الجاهل .
هامش
( 1 ) في الأصول : ( نذبحوا ) .