تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
يا من لم يقنع بتدبير مولاه ، ومال إلى نيل حظه وهواه ، أهبط إلى أرض الحظوظ والشهوات تجد فيها ما ألفته نفسك من عوائدك السيئات . يا من أخلدت نفسه إلى الهوى ومتابعة الشيطان ، كيف تستبدل العز الدائم بالذل والهوان ؟ ! وأنشدوا :
لا تتبع النفس في هواها * إنّ اتّباع الهوى هوان « 1 »
قال في التنوير : ( فائدة ) اعلم أن بني إسرائيل لما دخلوا التيه ، ورزقوا المن والسلوى ، واختار اللّه لهم ذلك رزقا ، رزقهم إياه ، يبرز من عين المنة ، من غير تعب منهم ولا نصب ، فرجعت نفوسهم الكثيفة لوجود ، العادة ، والغيبة عن شهود تدبير اللّه ، إلى طلب ما كانوا يعتادونه ، فقالوا :
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ
الآية .
قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ . اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ . وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
، وذلك لأنهم تركوا ما اختار اللّه لهم ، مائلين لما اختاروا لأنفسهم . فقيل لهم عن طريق التوبيخ :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
؟ فظاهر التفسير : أتستبدلون الفوم والعدس والبصل بالمن والسلوى ؟ وليس النوعان سواء في اللذة ولا في سقوط المشقة وسر الاعتبار ، أتستبدلون مرادكم لأنفسكم بمراد اللّه تعالى لكم ؟
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى
وهو ما أردتموه ،
بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
، وهو ما أراده اللّه لكم ؟
اهْبِطُوا مِصْراً
فإن ما اشتهيتموه لا يليق إلا أن يكون في الأمصار ، وفي سر الخطاب : اهبطوا عن سماء التفويض وحسن التدبير منا لكم ، إلى أرض التدبير والاختيار منكم لأنفسكم ، موصوفين بالذل والمسكنة ؛ لاختياركم مع اختيار اللّه ، وتدبيركم لأنفسكم مع تدبير اللّه . ه المراد منه . ولما ذكّرهم الحق تعالى بالنعمة ، ووبّخهم على ارتكاب الآثام ، رغّبهم في الإسلام ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 62 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) قلت : ( إن ) : ناصبة مؤكدة ، وخبرها : جملة ( من آمن ) أو ( فلهم أجرهم ) . و ( من آمن ) : بدل من اسمها ، أو محذوف ، والموصول : مبتدأ ؛ أي : إن الذين آمنوا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، والذين هادوا كذلك . و ( هادوا ) : تهودوا ، أي : دخلوا في اليهودية . وسموا يهودا ؛ إما نسبة لأبيهم الأكبر ( يهوذا بن يعقوب ) ، أو من هاد ، إذا تاب ؛ لأنهم تابوا من عبادة العجل .
هامش
( 1 ) البيت للإمام البرعى .