تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فلما رأوا جدّه
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
، هل هي كبيرة أو صغيرة أو متوسطة ؟
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ
أي : كبيرة ،
وَلا بِكْرٌ
أي : ولا صغيرة ،
عَوانٌ
متوسطة بين ما ذكر من الصغر والكبر ،
فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ
، فإن اللّه يبين لكم القاتل ،
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها
، أهي حمراء أو سوداء أو صفراء ؟
قالَ إِنَّهُ
تعالى
يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها
ناصع صفرتها
تَسُرُّ النَّاظِرِينَ
لسمنها وبهجة لونها ،
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ
، فإن البقر الصفر كثير ، وقد تشابه علينا أمرها ؟
قالَ إِنَّهُ
تعالى يقول : إنها مسلمة من العمل ليست ذلولا ، أي : مذللة بالعمل لا
تُثِيرُ
أي : تقلب
الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ
بالسانية « 1 » .
مُسَلَّمَةٌ
من العيوب كلها ،
لا شِيَةَ فِيها
أي : لا رقم فيها يخالف الصفرة . فلما تبين لهم الأمر
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ
الواضح ، فوجدوها عند شاب كان بيد أمه ، قد استودعها له أبوه في غيضة « 2 » ، فاشتروها منه بملء جلدها ذهبا ، أو بوزنها ،
فَذَبَحُوها
، وضربوا القتيل بجزء منها ، فجلس وعروقه تسيل دما ، وقال : قتلني ابن عم لي ، ثم رجع ،
وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
لكثرة ترددهم ، أو لفحش غلوها . قال عليه الصلاة والسلام : « لو ذبحوا أدنى بقرة لكفتهم لكن شددوا فشدد اللّه عليهم » . ثم ذكر أول القصة ، فقال :

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 72 إلى 73 ]

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ( 72 ) فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 73 ) قلت : حق هذه الآية أن تتقدم قبل قوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ . . .
وإنما أخّرها الحق تعالى ليتوجه العتاب إليهم مرتين ؛ على ترك المسارعة لامتثال أمر نبيهم ، وعلى قتل النفس ، ولو قدمها لكانت قصة واحدة بتوبيخ واحد . يقول الحق جل جلاله :
وَ
اذكروا
إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً
حرصا على الدنيا
فَادَّارَأْتُمْ
أي : تدافعتم في شأنها ، كل قرية تدفع عنها ،
وَاللَّهُ
تعالى
مُخْرِجٌ
ومبين
ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ
من القتل ، ومن قتله ،
فَقُلْنا
: اضربوا القتيل أو قبره
بِبَعْضِها
قيل : اللسان ، وقيل : القلب ، وقيل : الفخد أو الذنب ، فضربوه فحيى ، وأخبر بقاتله كما تقدم ،
كَذلِكَ
أي : كما أحيا هذا القتيل ،
يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
من قبورها
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
الدالة على قدرته ،
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
فتعلمون أن من قدر على إحياء نفس واحدة يقدر على إحياء الأنفس كلها .
هامش
( 1 ) السانية : الساقية . ( 2 ) الموضع الذي يكثر فيه الشجر .