والمعنى وجدك يتيما يعنى صغيرا فقيرا حين مات أبوك ولم يخلف لك مالا ولا مأوى وفي هذه الجملة تأكيد لقوله فاودعك
فَآوى
يعنى آواك إلى عمك أبى طالب وضمك اليه حتى كفلك روى البغوي من طريق الترمذي عن ابن عباس قال قال رسول اللّه صلعم سالت ربى مسألة وددت انى لم أكن سألته قلت يا رب انك أتيت سليمان بن داود ملكا عظيما وأتيت فلانا كذا قال يا محمد ألم يجدك يتيما فآويتك قلت بلى اى رب قال ألم أجدك ضالا فهديتك قلت بلى اى رب قال ألم أجدك عائلا فاغنيتك قلت بلى اى رب وزاد في بعض الروايات ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك بلى اى رب زعم أكثر الناس ان النبي صلى اللّه عليه وسلم سال ربه هذه المسألة المال والغنى حيث قالوا إن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان مفلسا وكانت قريش تعير بذلك حتى قالوا إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كايسر أهل مكة فاغتم النبي صلى اللّه عليه وسلم وظن أن قومه انما كذبوه بفقره فسال ربه هذه المسألة فعدد اللّه عليه نعمه ووعده الغنى ليسليه وهذا ليس بشيء بوجوه أحدها ان رفعة شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يقتضى ان سال ربه الدنيا وراودته الجبال الشم من ذهب عن نفسه فاراها أيما شمم وأكدت وهذه فيها ضرورته ان الضرورة لا تعدوا على العصم وثانيها ان قوله تعالى ووجدك عائلا فأغنى يأبى عنه فان صيغة الماضي تدل على الحصول وسؤال الغنى بعد حصول محال وثالثها انه لو سال ربه لاعطاه وقد صح انه ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين حتى قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كذا في الصحيحين من حديث عائشة وقالت الصوفية العلية في تحقيق مثل هذا المقام ان الصوفي قد يعرضه حالة الانقطاع من الخلق بالكلية وخلوص التوجه إلى اللّه سبحانه ويسمونها بالعروج والسير إلى اللّه أو السير في اللّه وقد يعترضه حالة التوجه إلى الخلق لأجل الإرشاد والدعوة إلى اللّه فيسرى نفسه في هذه الحالة في بادي النظر منقطعا عن اللّه متوجها إلى الخلق وهو في الحقيقة وعند التعمق غير منقطع كمال الانقطاع وأيضا لما كان هذا الانقطاع مأمورا به مرضيا للمحبوب فهو في حكم الوصل والاتصال بل أولى منه ويسمونه بالنزول والبر من اللّه باللّه فيغتم الصوفي في هذه الحالة غاية يكون في الشدة والبلاء مثله كمثل سمكة ألقيت من البحر إلى الصحراء وقد ذكر مرارا ان من كان نزوله أتم كان إرشاده أشمل وأعم