تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير المظهرى — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
قلبه بغير اللّه سبحانه ولا يسع فيه محبة أحد من الخلائق - فما بال يعقوب عليه السلام وهو من الأنبياء الكبار والمصطفين الأخيار أولى الأيدي والابصار - قد شغفه حب يوسف عليه السلام الكريم حتّى ابيضت عيناه من البكاء عليه وهو كظيم - وما قيل إن العالم بأسرها مجال ومرايا لله سبحانه - فاشتغال قلبه بيوسف اشتغال به تعالى على الحقيقة - فذلك قول في غلبة التوحيد لأهل الابتداء أو التوسط ويستنكف عنه أهل الانتهاء فكيف الأنبياء عليهم السلام - ولو كان كذلك فلا وجه حينئذ لتخصيص تعلق الحب بيوسف عليه السلام دون غيره - والجواب عن الاشكال ان هذا مختص بالنشأة الدنيوية يعنى لا يمكن اشتغال قلب الصوفي بعد الفناء بشيء من الأشياء الدنيوية واما الأشياء الأخروية فليس هذا شأنها - فان النبي صلى اللّه عليه وسلم قال الدنيا ملعونة وملعون ما فيها الا ذكر اللّه وما والاه وعالما ومتعلما - رواه ابن ماجة عن أبي هريرة والطبراني عن ابن مسعود بسند صحيح والبزار عن ابن مسعود نحوه والطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء - بخلاف الآخرة فإنها مرضية لله تعالى وتعلق القلب بها مرضى لله تعالى قال اللّه تعالى
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ
- يعنى أولى القوة في طاعة اللّه والبصارة في معرفة اللّه تعالى وأحكامه -
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ
- اى جعلناهم خالصين بخصلة خالصة لا شوب فيها هي ذكر الدار الآخرة - قال مالك بن دينار نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها - وجعلنا الآخرة مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون - واطلاق الدار على الآخرة للاشعار بأنها الدار على الحقيقة والدنيا معبر - هذه الآية صريح في ان الآخرة مرضية لله تعالى وحبها وما فيها موجب للمدح - وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قيل لي يعنى في المنام سيد بنى دارا وصنع مأدبة وأرسل داعيا - فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضى عنه السيد - ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة وسخط عليه السيد - قال فالله السيد ومحمّد داعى والدار الإسلام والمأدبة الجنة - رواه الدارمي عن ربيعة الجرشى - وهذا غاية معرفة الأكملين لم يطلع عليها المتوسطون « 1 » فضلا عن أهل الابتداء والعوام - ولو كانت رابعة البصرية مطلعة على ذلك لما قالت أريد ان احرق الجنة كيلا يعبد الناس اللّه تعالى لأجلها - ألم تسمع قوله تعالى
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ
هامش
( 1 ) في الأصل المتوسطين -